من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
وَلِنَعِيَ أبعاد السكينة ينبغي التأمل مليا في صلح الحديبية حيث كانت سبب حفاظ الإيمان وزيادته في ظروف الصلح الخطيرة. لقد مرَّت على المؤمنين في الحديبية مواقف مرة عملت في قلوبهم ما عملت، من تطلّع الى تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه واله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [الفتح: ٢٧]. إذ حسب بعض- بل أغلب الصحابة- أنّ هذه الرؤيا الصالحة سيتحقّق تعبيرها في هذا السفر نفسه، لكنّ الذي قدّره الله كان شيئا آخر!
وفي معاهدة الصلح في الحديبية، مادة تقضي بإعادة المسلمين مَنْ يلجأ إليهم من قريش ويعلن إسلامه ويدخل المدينة! ولا يلزم العكس، وكان هذا الموضوع صعبا على المسلمين للغاية.
ومن جهة ثالثة لم ترغب قريش أن تكتب كلمة (رسول الله) التي كان يُدْعَى بها النّبي محمّد صلى الله عليه واله، وأصرّ ممثلها سهيل بن عمرو على حذف الكلمة من معاهدة الصلح، ولم يوافق حتى على كتابة البسملة، وأصرّ أن يكتب مكانها (بسمك اللّهمّ)، ولذلك تزلزلت قلوب بعض أصحاب النّبي صلى الله عليه واله إلى درجة أنّه حين نزلت السورة قالوا أي فتح هذا؟!
فالتجارب هي مختبر حقائق الإيمان وهي وسيلة تنميته وترسيخه، ولقد كانت تجربة صعبة وتداركتهم السكينة، وإنما يؤيِّد الله عباده وهم يخوضون سوح الجهاد. فتجربة الصلح التي ابتدأت من الرؤيا وامتدت إلى حين تحققها بدخول مكة كانت تجربة إيمانية للمؤمنين استنزلت السكينة وأوجدت مسالك تعميق الإيمان.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ والسكينة من (السكون)، ومعناها الاطمئنان وما يزيل كل أنواع الشك والتردّد والقلق من الإنسان ويجعله ثابت القدم في الحوادث مستقر الإيمان! ولذا علل إنزالها فيها بقوله لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ.
وهل الإيمان يزيد وينقص؟ بلى؛ بصريح الآية وآيات أخرى، وفي رواية عن الإمام الصادق أنّه قال
[إِنَّ الإِيمَانَ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ يُصْعَدُ مِنْهُ مِرْقَاةً بَعْدَ مِرْقَاة] [١].
إذن فما هو الإيمان حتى يقبل الزيادة والنقصان؟ إنه إقرار بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، ومعنى ذلك أن الإنسان بكل كيانه المادي والمعنوي قوة واحدة يسلِّم لها بطوعه وإرادته وهي قوة الله.
فالإيمان ليس مجرد العلم والمعرفة دون أن يعكس على صاحبه سلوكا وعملا من جنسه
[١] بحار الأنوار، ج ٦٢، ص ٣٥٠.