من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - وألا تعلوا على الله
وقد قدم على معاوية جرير ببيعة علي، وقد كتب إليَّ معاوية بالقدوم عليه، فما تريان؟ فقال عبدالله وهو الأكبر: أرى والله أن نبي الله قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده كذلك، وقتل عثمان وأنت غائب، فأقم في منزلك، فلست مجعولا خليفة، ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، أوشكتما أن تهلكا فتستويا فيها جميعا، وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش، وصاحب أمرها، فإن ينصرم هذا الأمر وأنت فيه غافل، يصغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فإنك به تستميل إلى بني أمية.
فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي، ثم دعا غلاما له يقال له وردان، وكان داهية، فقال له عمرو، يا وردان احطط، يا وردان ارحل، يا وردان احطط، يا وردان ارحل، فقال وردان: أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك، فقال عمرو: هات يا وردان، فقال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت مع عليٍّ الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة، فأنت واقف بينهما، فقال عمرو: ما أخطأت ما في نفسي، فما ترى يا وردان، فقال، أرى أن تقيم في منزلك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك، فقال عمرو: أالآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية؟!] [١].
وذهب عمرو إلى معسكر معاوية تاركا آخرته لدنياه، ثم لما دنت منه الوفاة وكان في فلسطين قال لمن حوله: احملوا جسدي إلى صحن الدار، فلما حمل وطرح على الأرض نظر إلى السماء فقال: لست بذي عذر فأعتذر، ولا بذي قوة فأنتصر، فافعل بي ما تشاء، ومات.
ونجد في مقابل هذه الهزيمة صورة للصمود أمام فتنة الحياة، عند عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي وقف مع الحق في حرب صفين وهو يناهز التسعين من العمر، ولما رأى الإمام علي عليه السلام شيخوخته أمره أن يشد ظهره، وحواجب عينيه حتى لا يبدو للناس ضعيفا، فبرز رضي الله عنه للقتال، وقال مخاطبا عمرو بن العاص: [يَا عَمْرُو بِعْتَ دِينَكَ بِمِصْرَ فَتَبّاً لَكَ فَطَالَ مَا بَغَيْتَ الإِسْلَامَ عِوَجاً].
ثُمَّ قَالَ: [ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاكَ فِي أَنْ أَقْذِفَ بِنَفْسِي فِي هَذَا البَحْرِ لَفَعَلْتُ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاكَ فِي أَنْ أَضَعَ ظُبَةَ سَيَفِي فِي بَطْنِي ثُمَّ أَنْحَنِيَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي لَفَعَلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْلَمُ مِمَّا عَلَّمْتَنِي أَنِّي لَا أَعْمَلُ عَمَلًا اليَوْمَ هَذَا هُوَ أَرْضَى لَكَ مِنْ جِهَادِ هَؤُلَاءِ القَاسِطِينَ وَ لَوْ أَعْلَمُ اليَوْمَ عَمَلًا هُوَ أَرْضَى لَكَ مِنْهُ لَفَعَلْتُهُ] [٢] وحارب
[١] الإمامة والسياسة: ج ١ ص ١١٧ تحقيق الشيري.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣٢، ص ٤٨٩.