من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٦ - وألا تعلوا على الله
ومن طبيعة الحياة أنها تحدٍّ من جانب واستجابة للتحدِّي من جانب آخر، وهنا يكمن الابتلاء، وإنما يكتسب الإنسان الخبرة والإرادة والقوة، كما ينمو وتنمو معه المواهب من خلال تحدي المشاكل والعقبات.
الثاني: الفتن الكبرى التي يتعرض لها الفرد أو المجتمع، وهي تتجدد في كل عصر، بيد أن قرار الإنسان فيها يكون مصيريا، فالفرد الذي ينتمي إلى حركة إصلاحية، ويتدرج في مراحل التوعية والتنظيم والعمل، حتى يبلغ مكانا حسَّاسا فيها. إن كل لحظة تمر به من عمره الحركي تُعَدَّ لحظة خطيرة تحمل الفتنة والابتلاء، ولكنه لا يتعرض للفتنة الكبرى إلا حينما يقع في قبضة السلطات الظالمة، فيتعرض لألوان التعذيب الوحشي أو الانحراف الخادع، فإن صمد ولم يكشف لهم عن أسراره كتب خلوده ومجده بألمه، وربما بدمه.
وصور اجتماعية لهذا النوع من الفتن نجدها في حياة الأمم، ولكن ليس عند الفتن التي نسمِّيها بالتحديات والتحديات المضادة التي تتعرض لها في اقتصادها وفي سياستها وتركيبتها، وإنما عند المواجهة الحاسمة، حين تقف هذه الأمة أمام عدو أقوى منها سلاحا، وأرقى تقدما، وأكثر عددا، فإن صمدت فإنها تكتب مجدها، وإن انهزمت فإنها تقرر مصيرها.
وكشاهد على هذا اللون من الفتن في التاريخ الفتنة التي تعرض لها موسى عليه السلام وقومه من جهة وفرعون وملؤه وجنده من جهة أخرى، التي انتهت بفشل هؤلاء الذين لم يرتفعوا إلى مستوى تحدي الكبرياء الكاذبة في أنفسهم، فانحرفوا وانتهت حضارتهم للأبد.
إذن فالفتن الكبرى مصيرية وحاسمة، والسؤال هنا: كيف يصمد الإنسان أو المجتمع أمامها؟ إنه يحتاج إلى إرادة قوية، وهي لا توجد عند الإنسان في لحظة واحدة، وإنما بالتدريج والتربية، فكما أن البحر الطمطام الذي يمتد طولا وعرضا يتكون من القطرات الصغيرة، وهكذا الصحراء المترامية الأطراف تتكون من ذرات الرمل، فكذلك إرادة الإنسان تصنع من مجموع إرادات صغيرة، هو يتمكن من اتخاذ الموقف الصعب إذا مارس المواقف الأقل منه في الحياة.
وكمثال على موقف الإنسان من الفتنة الكبرى واتصال ذلك بمواقفه السابقة دعنا نستعرض قصة رجلين: أحدهما سقط في الفتنة، بينما انتصر الآخر، فهذا هو عمرو بن العاص حسبما يقول عنه ابن قتيبة الدينوري في كتابه الإمامة والسياسة: [لما انتهى إليه كتاب معاوية وهو بفلسطين، استشار ابنيه عبد الله ومحمدا، وقال: يا ابني، إنه قد كان مني في أمر عثمان فلتات لم أستقبلها بعد، وقد كان من هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد احتمله معاوية عني،