من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٢ - مثل الجنة التي وعد المتقون
يجعلون أنفسهم سخرة لها، بينما الكفار ينظرون إلى الأشياء نظرة ذاتية، فيغترُّون بها، ويعتمدون عليها، ولكنها لن تغني عنهم شيئا.
[١٤] حين يفصل الكتاب بين المؤمنين والكافرين لا يفصل بينهما كعنوانين ظاهرين، بل كقيمتين واقعيتين، ينفصل على أساسهما من يتظاهر بالإيمان عن الفاسق والمنافق.
ذلك أن القرآن يتحدث غالبا عن الحق، وليس عن مظاهره، ولذلك فالكافر في آياته ليس دائما الذي يتظاهر به، بل قد يكون الذي يكفر- مثلا- بآية في القرآن أو يكفر عمليا بفريضة إلهية، لأن الحديث القرآني هو عن واقع الكفر لا ظاهره، مما يشمل كل من يوجد لديه هذا الواقع.
وهذه السورة تتميز بالصراحة في هذا الفصل، ولذلك جاء في الحديث المروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام
[مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ حَالنَا وَحَالَ أَعْدَائِنَا فَلِيقَرأْ سُوَرَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله، فَإِنَّهُ يَرَاهَا آيَةً فِينَا وَآيَةً فِيهِم]
[١] أي إنها تتحدث بوضوح تام عن منهاج محمد وآله الحق، والمنهاج الباطل المخالف لهم.
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ فدار مع الحق أينما دار، ولم يجعل ذاته أو هواه محورا لقراراته كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ كلا .. لا يستويان، إنه لفرق كبير بينهما، فأولئك محورهم الحق، وهؤلاء محورهم الهوى.
إن المؤمن يفكر ثم يتحدَّث، ويخطِّط ثم يعمل، بينما الكافر والمنافق يتحدَّثان بلا روية، ويعملان بلا هدف سليم، لأنهما لا يعتمد الحق مقياسا لشؤون حياتهما. أولم يقل الإمام علي عليه السلام
[لِسَانُ العَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ وَقَلْبُ الأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ] [٢].
إن المؤمن يعلم أنه قد يخطئ صراط الحق، ومن هنا فهو لا يتحرك إلا عن بينة، فلا يخطو خطوة إلا وهو يعلم أنه سيضعها في الموقع السليم، كمن يحمل مصباحا ويقدمه أمامه ثم يبدأ المشي، وبالعكس الكافر والمنافق. إنه يتخبط في ظلمات الباطل، لأن الدافع الأساسي له الهوى
[وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ] [٣].
وإن المؤمن يعيش حياة الصدق، لأنه يعيش في إطار الحق فلا يحتاج إلى التبرير والتلبيس والدجل، بينما يعيش أصحاب الهوى الالتواء والأعذار والزيف. إن ضمائرهم ترفض باطلهم
[١] نور الثقلين: ج ٥ ص ٢٤.
[٢] نهج البلاغة: حكمة ٤٠.
[٣] نهج البلاغة: حكمة ٢١١.