من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - مثل الجنة التي وعد المتقون
لولا أنه يزَّين لهم، ويلبس بالحق، ويبرر بصنوف المعاذير. أرأيت الذي يطعم العسل لا يحتاج إلى خلطه بمادة أخرى، بينما الذي يجترع العلقم لا يستسيغه إلا إذا وضع فيه قطعة حلوى، كذلك الحق والباطل. فهل الحاكم المنتخب بنزاهة، والعامل بالعدل، والحكيم، والصادق، والصالح، بحاجة إلى الإعلام كالطاغية الظالم الطائش الفاسد؟
وهكذا نجد الدول كلما توغلت في الظلم أنفقت على الدعاية. كما نجد أكثر الفلسفات البشرية جاءت لتبرير واقع فاسد للناس فرادى أو جماعات، ففي العهد الماضي ابتدعت نظريات كثيرة كالمرجئة والقدرية لتبرير الواقع الفاسد للأفراد وحالات الترهل والكسل، كما انتشر في العصر الحديث الفساد الجنسي، وغطت الميوعة والمجون بلدانا كثيرة، وجاء البعض بنظريته الجنسية المعروفة لكي يبرِّر للإنسان غرقه في أوحال الفساد واتباع الشهوات.
[١٥] لكي يتعمق الفصل بين فريقي المؤمنين والكافرين في أعيننا حتى لا نزعم أنهما سواء، ونستدرج- بسبب هذا الزعم- نحو الكفر، ولكي نرغب في الإيمان بما يلقيه على عواتقنا من مسؤوليات، ونحذر من الكفر بالرغم مما حفت به من شهوات، لكل ذلك يذكرنا السياق بمصير الفريقين، ويبين صفات الجنة والنار مَثَلُ الْجَنَّةِ هذه هي صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتبعون الحق، ويتجنبون ما يسخط ربهم، ويحفظون أنفسهم من النار، وما يوجبها من سيئات. فِيهَا أَنْهَارٌ متنوعة أولا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ غير متغير لطول المقام كما تتغير مياه الدنيا، ذلك أن الجنة طاهرة من النجاسات والجراثيم والأدران. وقال بعضهم: [إن هذا النهر وضع لرفع عطشهم]. وأقول: بلى، وأيضا لتطهير أجسادهم وأرواحهم من شوائب الحياة الدنيا فإذا شربوا منها نظفت أبدانهم من كل جرثومة أو مرض كما طهرت قلوبهم من كل غل .. ونستوحي ذلك من عدم قابلية الماء للأسونة والتغيير. وإذا عرفنا أن الماء بذاته مطهر، فإن مقاومته للتأثر تعني أنه ماء مطهر لكل نجاسة، لأنه لو لم يكن كذلك إذا كان يتأثر بها، ويدل على ذلك أيضا الحديث الذي مضى آنفا عن رسول الله صلى الله عليه واله.
وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فلا يعتريه شيء من العوارض التي تصيب الألبان في الدنيا، ونحن نعرف أن اللبن شراب يقوم بدور الطعام، أو طعام متكامل في صورة شراب سائغ إلا أنه قد يتغيَّر بسبب سرعة اجتذابه للجراثيم. بَيْدَ أن لبن الآخرة يقاوم الجراثيم، فهو إذن غذاء سائغ هدفه بعث القوة في أبدانهم.
وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يتلذَّذون بشربها، ولا يتأذون بها ولا بعاقبتها، بخلاف خمر الدنيا التي لا تخلو من المرارة والسكر والصداع، فإذا شربوها ازدادوا نشاطا وحيوية.