من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٥ - مثل الجنة التي وعد المتقون
شَهْوَتُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ ذَلِكَ.
قَالَ
وَيَخْرُجُ عَلَيْهِمُ الحُورُ العِينُ مِنَ الجِنَانِ فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ إِنَّ الجَبَّارَ يُشْرِفُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَأَهْلَ طَاعَتِي، وَسُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ. فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيه؟! نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَلَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الكَرِيمِ.
قَالَ
فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالقَوْل، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا نَعَمْ، فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: رِضَايَ عَنْكُمْ وَمَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ. قَالَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَارَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَمَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَأَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا
. ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عليه السلام هَذِهِ الآيَةَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] [١].
إن الله خلق الإنسان وهو يحمل في جوانحه طموحا لا حدود له، فكلما حصل على نعمة هفت نفسه نحو نعمة أخرى، والرب يذكر النعيم الأخروي الذي وعده المتقين، ويعلم أن الإنسان لا يكتفي به، لهذا يعقب وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أوليس الله ورضاه غاية آمال العارفين، ومنتهى طموح الراغبين؟ ونتساءل: أيهما أفضل أن ننتقل من الدنيا إلى الآخرة فنحصل على ذلك النعيم العظيم المعنوي والمادي، أو أن نلقى في النار على وجوهنا أذلاء خاسئين، مهانين مخزيين؟!
كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام حديث طويل، قاله للأحنف بن قيس، يصف فيه أهل النار
[فَكَمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّارِ مِنْ صُلْبٍ مَحْطُومٍ وَوَجْهٍ مَهْشُومٍ وَمُشَوَّهٍ مَضْرُوبٍ عَلَى الخُرْطُومِ قَدْ أَكَلَتِ الجَامِعَةُ كَفَّهُ وَالتَحَمَ الطَّوْقُ بِعُنُقِهِ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ يَا أَحْنَفُ يَنْحَدِرُونَ فِي أَوْدِيَتِهَا وَيَصْعَدُونَ جِبَالَهَا وَقَدْ أُلْبِسُوا المُقَطَّعَاتِ مِنَ القَطِرَانِ وَأُقْرِنُوا مَعَ فُجَّارِهَا وَشَيَاطِينِهَا، فَإِذَا اسْتَغَاثُوا بِأَسْوَإِ أَخْذٍ مِنْ حَرِيقٍ شَدَّتْ عَلَيْهِمْ عَقَارِبُهَا وَحَيَّاتُهَا وَلَوْ رَأَيْتَ مُنَادِياً يُنَادِي، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، وَيَا أَهْلَ حُلِيِّهَا وَحُلَلِهَا، خَلِّدُوا فَلَا مَوْتَ فَعِنْدَهَا يَنْقَطِعُ رَجَاؤُهُمْ، وَتَنْغَلِقُ الأَبْوَابُ وَتَنْقَطِعُ بِهِمُ الأَسْبَابُ فَكَمْ يَوْمَئِذٍ مِنْ شَيْخٍ يُنَادِي وَا شَيْبَتَاهْ، وَكَمْ مِنْ شَابٍّ يُنَادِي وَا شَبَابَاهْ، وَكَمْ مِنِ امْرَأَةٍ تُنَادِي وَا فَضِيحَتَاهْ، هُتِكَتْ عَنْهُمُ السُّتُورُ فَكَمْ يَوْمَئِذٍ مِنْ مَغْمُوسٍ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا مَحْبُوسٌ، يَا لَكَ غَمْسَةٌ أُلْبِسَتْكَ بَعْدَ لِبَاسِ الكَتَّانِ وَالمَاءِ المُبَرَّدِ عَلَى الجُدْرَانِ وَأَكْلِ الطَّعَامِ أَلْوَاناً بَعْدَ أَلْوَانٍ لِبَاساً لَمْ يَدَعْ لَكَ شَعْراً نَاعِماً كُنْتَ مَطْعَمَهُ إِلَّا بَيَّضَهُ وَلَا
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ١٤٠، تفسير العياشي: ج ٢ ص ٩٦.