من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٧ - مثل الجنة التي وعد المتقون
وهذه هي نقطة البدء، وعلينا أبدا العودة إلى المبادئ لحل ألغاز الحياة. فإذا كنت تبحث عن الجنة أصلح أولا منهج التفكير في نفسك، فلا تتبع الهوى واستمع إلى الحق وتفكر في آيات الله.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ لا لكي يفقه، وإنما ليجادل في آيات الله بغير هدى. وهنا انعطافة واضحة لمدارج النفاق. والنفاق درجات ويبدأ خفيا ويتدرَّج حتى يسلك في المنافقين إن لم يتدارك نفسه. فالآيات هنا تتحدث عن بذور النفاق ومرض القلب وليس المنافقين، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً عمَّاذا تحدث؟ وإلى أي شيء أشار؟ وما هي الأفكار التي ذكرها؟ وما هي الأوامر التي كلفنا بها، ولماذا؟
يقول ذلك فور خروجه من بيت الرسالة، لماذا؟
لأنه لم يقتنع- حيث لا تتناسب مع الأهواء والمصالح- بما قيل له فحاول أن يجد له تفسيرا وتأويلا يتناسب مع أهوائه. إنه لفرط عقده النفسية لا يرى الأمور إلا بصورة معكوسة، ولا يعتقد صدق متحدثيه، بل يبحث في أحاديثهم عن زوايا مبهمة يجعلها مادة تساؤله، ومناقشاته، وجدلياته، ويزعم أن ذلك من العلم ولا يعرف أنه دليل جهله وانغلاق قلبه.
إن الجدال والتشويش والتأويل (التحريف) هو من سمات المتهربين من القيام بما يتطلبه الإيمان أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فأصبحت لا تعي ولا تعقل. مضوا قدما في طريق الهوى وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ لأن الإنسان لا يمكن أن يخضع لشهواته، ويركب مطية أهوائه، وهو واع بصير. إذ إنه آنئذ سيهتمُّ بتزكية نفسه وترويضها، كما الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي قال وهو يحكم إمبراطورية عريضة
[وإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الأَكْبَرِ وتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ المَزْلَقِ ولَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا العَسَلِ ولُبَابِ هَذَا القَمْحِ ونَسَائِجِ هَذَا القَزِّ ولَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ وأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ واجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ ... اعْزُبِي عَنِّي فَوَاللهِ لَا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي ولَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي وأيْمُ اللهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى القُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وتَقْنَعُ بِالمِلْحِ مَأْدُوماً ولَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا] [١].
[١٧] ومن أراد أن يعيَ الحقائق، ويزداد بصيرة وهدى، ويستقيم على المنهج السليم، فعليه أن يسعى بنفسه نحو الهداية، لأن على الإنسان الخطوة الأولى وعلى الله التوفيق.
[١] نهج البلاغة: رسالة: ٤٥.