من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٨ - مثل الجنة التي وعد المتقون
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا بحثوا عن الحق بأنفسهم، وسعت قلوبهم نحو البصيرة، أولئك الذين يأخذ ربهم بأيديهم في طريق الهداية، فيزيدهم هدى كما يثبِّت أقدامهم أن تزلَّ بفعل عواصف الشهوة ورياح الفتن.
زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ تماما بعكس أولئك المنافقين الذين سبق الحديث عنهم، فبينما طبع الله على قلوب أولئك، زاد هدى هؤلاء. وبينما يتبَّع أولئك أهواءهم، آتى هؤلاء التقوى بتنمية معارفهم ووعيهم، وتنبيههم في أوقات الغفلة، وتنمية إرادتهم وعزمهم، وإغنائهم بنعمة الحلال عما حرم عليهم. وبكلمة: توفيقهم لتجنب ما يسخط ربهم.
[١٨] لماذا- إذا- لا نخطو نحو ربنا الخطوة الأولى ليزيدنا هدى ويؤتينا التقوى؟ إنه الانتظار الساذج، والتسويف الخادع، كأننا نتوقع أن تكون الخطوة الأولى من غيرنا، وننتظر وإلى متى ننتظر؟ هل إلى قيام الساعة، حيث لا تنفع التوبة. فقد توافرت علائمها أفلا نبادر بالتوبة قبل فوات أوانها؟
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً قد تتمثل الساعة في يوم القيامة، أو عندما ينزل الله عذاب الاستيصال، أو عندما يفاجئ الإنسان أجله الذي لا مفر منه. المهم أنها تباغت البشر، بيد أنها ليست مفاجئة تماما إذ إن علاماتها قد ظهرت مما تكفينا دلالة عليها.
فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أشراط الساعة، أي علائمها، فما هي علائمها؟
لقد اختلف المفسرون في تأويلها، قال بعضهم: [إنها بعثة الرسول، أوَلَم يقل صلى الله عليه واله
بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ
صلى الله عليه واله
السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى]
[١]. أوَلم يخطب في أصحابه قبل الغروب وقال صلى الله عليه واله
[وَالذِّي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيدِهِ، مَا مِثْلُ مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا فِي مَا بَقيَ مِنْهَا، إِلَّا مِثْلُ مَا مَضَى مِنْ يَومِكُمْ هَذَا فِي مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُ إِلَّا اليَسِيرَ]
[٢] مما يدل على إنَنَّا نعيش فَي نهايات الدنيا .. ومن علامات ذلك بعثة خاتم الرسل الذي لا نبي بعده إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: [إن أشراط الساعة هي ما ذكر في النصوص من انتشار الفساد ولا ريب أن ذلك أيضا من علامات قيام الساعة التي تقوم على شر خلق الله].
بَيْدَ أن أشراط الساعة- حسب ما يبدو- تعم كل الشواهد التي تهدينا إلى قيامها، وتختلف الشواهد حسب الأشخاص والأمم والعصور. فلا ريب أن ما جرى على الأمم
[١] بحارالأنوار، ج ٦، ص ٣١٥.
[٢] تفسير الآلوسي: ج ٢٦ ص ٤٨، الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٠.