من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٩ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
عند التوقيع على البند القائل، من أراد من القبائل الانضمام إلى الرسول صلى الله عليه واله والتحالف معه، أو الانضمام إلى قريش والتحالف معها فله ذلك .. وذلك يعني أن هناك حكومتين في الجزيرة حكومة قريش وحكومة الإسلام.
وفعلا تحالفت طائفة من القبائل- كخزاعة- مع الرسول صلى الله عليه واله، وبدأ الإسلام بالانتشار في ربوع الجزيرة، ولعل الآثار الايجابية التي ترتبت على صلح الحديبية- ومن أهمها تحالف القبائل العربية مع النبي الأعظم- هي التي يسميها القرآن بالفتح المبين.
فالفتح المبين ليس هو الفتح العسكري، وإنما هو الفتح السياسي والثقافي الذي حققه الرسول صلى الله عليه واله في صلح الحديبية، وكان تمهيدا ومرتكزا للفتح العسكري فيما بعد، حيث حصل بعد الصلح على حالة السلام، صار يتحرك بسرعة جادة تحت مظلته لنشر الدين، قال الإمام الصادق عليه السلام
[فَمَا انْقَضَتْ تِلْكَ المُدَّةُ حَتَّى كَادَ الإِسْلَامُ يَسْتَوْلِي عَلَى أَهْلِ مَكَّة] [١].
ومن الطبيعي أن الحركة التغييرية الناجحة تتقوَّى، وتبني نفسها في ظروف السلام، وتستعد لظروف المواجهة، ومادامت الحكومة (الواقعية) في الجزيرة أوقفت حربها مع الحركة الرسالية بعد الصلح، تحرَّك المؤمنون بقيادة الرسول صلى الله عليه واله لنشر الإسلام، وصاروا يقووُّن أنفسهم في ظروف الهدنة، إلى أن فتحوا مكة عسكريا بعد سنوات قليلة.
[٢- ٣] وكان لهذا الفتح معطيات عظيمة، من أبرزها غفران الله لرسوله الأكرم صلى الله عليه واله ما تقدم وما تأخر من الذنب، وإتمام النعمة عليه، وهدايته إلى الصراط الحق، وقد اختلف المفسرون في بيان معنى ذنب الرسول، فمن قائل بأن للرسول ذنوبا قبل الإسلام وبعده غفرها الله له، ومن قائل بأنه كانت له ذنوب قبل الفتح وبعده (فتح مكة) فأعطاه الله صك الأمان بغفران السابق واللاحق منها، وقالت جماعة بأن الرسول لم يذنب وإنما الغفران متوجه إلى أمته باعتبارها أمة مرحومة.
ويبدو أن كلمة الذنب لا تنصرف إلى المعنى الظاهر منها- بدواً- وهو المعصية، وإنما تنصرف إلى ما كان الكافرون والمشركون يعدُّونه ذنبا، إذ كانت حركة الرسول صلى الله عليه واله بذاتها ذنبا في اعتقادهم، لأنها تمرُّد على الواقع القائم، فصار جزءاً من الواقع القائم بعد الصلح فارتفع عنه ذلك التصور وغفر له ذنبه في نظرهم، ولتقريب الفكرة أكثر نقول: إن موسى عليه السلام لم يكن في ذمته ذنب حينما قال وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: ١٤]. وإنما كان ذلك وفق القانون الحاكم، كذلك الرسول صلى الله عليه واله كان مذنبا حسب ذلك القانون حتى تغيَّر
[١] بحار الأنوار: ج ٢٠، ص ٣٦٣.