من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٠ - أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
القرنين أو داود وسليمان؟ وهكذا .. وحينما تعصف بالأمة الفتن حتى تدع الحليم حيرانا، هنالك لا بد من التدبر في القرآن لمعرفة السبيل إلى الخروج منها. هكذا أمرنا الرسول الأكرم صلى الله عليه واله حين قال
[فَإِذَا التَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالقُرْآنِ]
[١]. وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ الحَبْلُ المَتِينُ والنُّورُ المُبِينُ والشِّفَاءُ النَّافِعُ والرِّيُّ النَّاقِعُ والعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ والنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ] [٢].
والمتدبر في القرآن يطبق آياته على نفسه، ويتساءل عن أية عائبة فيها ليصلحها، أو عارفة ناقصة عنده ليكملها، أو طريقة رشد فيتبعها، أو منهج ضلال فيتركه.
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصف المؤمنين
[أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ] [٣].
وبكلمة: إن ما أفهمه من التدبر كغاية هو البحث عن تطبيقات الآيات سواءً على أنفسهم أو على الخليقة .. ولكن للتدبر أيضا شرطه المتمثل في الانفتاح على القرآن بعيدا عن حجب القلب وأقفاله، عن تلك الأحكام المسبقة، والقوالب الفكرية الجاهزة، والتأويلات القائمة على أساس الهوى والشهوات.
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا قالوا: القفل من القفيل، الذي هو ما يَبَس من الشجر، فكأن القلب يعشو فلا يستقبل نور القرآن ويكون كالشجرة اليابسة التي لا تستفيد من الماء والأشعة. وقال البعض: إنه من القفول بمعنى الرجوع، فكأن القلب المنصوب عليه القفل لا ينفذ فيه الهوى، بل يرجع عنه كما يرجع من واجه بابا مقفلا .. ويبدو إن أقفال القلب هي الأهواء المطاعة، والرذائل الراسخة فيها، وما يسبب قسوتها أو الختم عليها. ومَنَ أراد فهم القرآن زَكَّى نفسه، وطهَّرها من الشكوك والريب وحب الشهوات ومن الكبر والحقد والحسد والجبن وما أشبه، فآنئذ ينساب نور الهدى فيه بلا حجب ولا موانع.
جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[إِنَّ لَكَ قَلْباً وَمَسَامِعَ وَإِنَّ الله إِذَا أَرَادَ أَنْ يَهْدِيَ عَبْداً فَتَحَ مَسَامِعَ قَلْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، خَتَمَ مَسَامِعَ قَلْبِهِ، فَلَا يَصْلُحُ أَبَداً، وَهُوَ
[١] الكافي: ج ٢ ص ٥٩٨.
[٢] نهج البلاغة: من كلام له: ١٦٥ (خاطب به أهل البصرة ...).
[٣] نهج البلاغة: الخطبة: ١٩٣.