من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٨ - أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
من شاء أن يكون صادقا في المواقف الصعبة، مستعدّاً لتحمل المسؤوليات الجسام، فعليه أن يتدرَّج في تربية نفسه شيئا فشيئا، فأولا يعوِّدها على تأدية الأعمال الصغيرة بصدق وجدية، ثم الأكبر منها فالأكبر، حتى يرتقي إلى مستوى عال فيؤدي الأعمال الكبيرة بكل صدق ورضى.
[٢٢] إنهم يهربون من القتال، وإنما فرض الله القتال من أجل إصلاح الأرض، وتكريس قيم المحبة، فمن يتولَّ عنه فسوف يقاتل، ولكن في صفوف المنافقين ومن أجل نشر الفساد في الأرض وقطع الأرحام ومخالفة قيم الخير والفضيلة. أوَلَيست الحياة صراعا، ولا مفر منه، ومن لم يقدم على اختيار جبهة الخير انساق إلى جبهة الشر، ولا مسافة بين الحق والباطل، فمن لم ينفعه الحق أضره الباطل.
أولئك الذين يزعمون أن القتال شر مستطير، وأنهم دعاة السلام، تراهم وقود معارك الباطل مقابل الحق. ألم تقرأ في التاريخ: كيف أن أهل الكوفة رفضوا القتال مع الإمام الحسين عليه السلام لمواجهة الأمويين باسم الخروج من الفتنة، ثم استخدمهم يزيد في قتال السبط الشهيد كُرْهاً.
إن لحكم القرآن ثمنا من لم يدفعه راضيا ابتلي بحكم الطاغوت ودفع أضعاف ذلك الثمن مكرها فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ كلمة عسى تدل على التوقع .. فهذه هي العاقبة المتوقعة لمن يتولِّى عن الحق!
ولأن الحديث في هذه السورة عن الحكم الإلهي والولاية الشرعية وتحمل مسؤولياتها، وفي طليعتها الدفاع عن الدين، فإن معنى التولي هنا الانسحاب من ساحة المواجهة وترك القيادة الرشيدة وحدها في الميدان، ولذلك فسر البعض هذه الكلمة، بأنه بمعنى الولاية أي إذا أصبحتم حكاما، وأوَّله البعض في بني أمية استنادا إلى ما رواه عبد الله بن مغفل قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ..... ثم قال: هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم [١].
والفساد في الأرض، هو النتيجة الطبيعية للنظام الذي لا يستلهم من الدين أحكامه .. فيفسد الاقتصاد والاجتماع كما يفسد الأخلاق والآداب ومن أبرز مظاهر إفساده تفريق الكلمة، وإشاعة الفساد في الخلق، الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة وقطع الأرحام. ويبدو أن قطع الرحم هو آخر عروة ينقض من عرى المجتمع، لأن الفساد إذا بلغ الأسرة فقد أتى على آخر قلعة من قلاع الاستقلال عند البشر.
[١] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٢٤٥.