من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٤ - مثل الجنة التي وعد المتقون
وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى خالص من الشمع والرغوة والقذى ومن كل ما يقللِّ من قيمته، ومن جميع العيوب التي تكون لعسل الدنيا، فهو حلوى يتذوقونها. أوَلَيس تشتهي النفس بعد الطعام إلى الحلاء؟
هكذا تجري في الجنة هذه الأنهار تبعث البهجة والطمأنينة في نفوس أهل الجنة حيث لا يبقى في نفوسهم خوف من الجوع مستقبلا، أو حرص على الطعام في الحاضر. أرأيت من يعيش على شاطئ الفرات الفائض، هل يخشى العطش أو يحرص على تخزين الماء لمستقبله؟ كلا، هكذا أهل الجنة يبعث الله في نفوسهم الغنى بما تراه أعينهم من وفور النعمة.
وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ لايتناولونها بعد جهد وعناء كما في الدنيا، لأنها متهدِّلة عليهم. يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه واله- بعد تلاوته للآية الكريمة وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان: ١٤]:-
[مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ المُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وهُوَ مُتَّكِئٌ وإِنَّ الأَنْوَاعَ مِنَ الفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ الله يَا وَلِيَّ اللهِ كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي]
[١]. وحيث كان يتحدث عن شجرة طوبى قال صلى الله عليه واله
[أَسْفَلُهَا ثِمَارُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَطَعَامُهُمْ مُتَذَلِّلٌ فِي بُيُوتِهِمْ، يَكُونُ فِي القَضِيبِ مِنْهَا مِائَةُ لَوْنٍ مِنَ الفَاكِهَةِ، مِمَّا رَأَيْتُمْ فِي دَارِ
[ثِمَارِ]
الدُّنْيَا، وَمَا لَمْ تَرَوْهُ. وَمَا سَمِعْتُمْ بِهِ، وَمَا لَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَهَا، وَكُلَّمَا يُجْتَنَى مِنْهَا شَيْءٌ نَبَتَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى لامَقْطُوعَةٍ، وَلا مَمْنُوعَة ...]. [٢]
وبالرغم من وجود لحم الطير مما يشتهيه الإنسان فإنه لم يذكر في هذا السياق، ولعل منشأ ذلك شمول كلمة الثمرات لمثله إذ إن الثمرة هي التي تفرزها الأرض أو النبات ثم ينتفع بها الإنسان بلا صعوبة .. ولحوم الطير من هذا النوع والله العالم.
وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ حيث لا يبقى بينهم وبين معرفة الله والأنس بحضرته حجاب من ذنوب، وهذا أعظم نعمة إذ إن لذة الروح أعمق من لذة الجسد، وإن من عرف الله وناجاه وازداد معرفة به بلغت به الراحة، والطمأنينة والأنس، والحب، وانشراح القلب، ولذة الروح أبعد مداه.
روي عن علي بن الحسين عليهما السلام
[إِذَا صَارَ أَهْلُ الجَنَّةِ فِي الجَنَّةِ وَدَخَلَ وَلِيُّ اللهَ إِلَى جِنَانِهِ وَمَسَاكِنِهِ وَاتَّكَأَ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنْهُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ حَفَّتْهُ خُدَّامُهُ وَتَهَدَّلَتْ عَلَيْهِ الثِّمَارُ وَتَفَجَّرَتْ حَوْلَهُ العُيُونُ وَجَرَتْ مِنْ تَحْتِهِ الأَنْهَارُ وَبَسَطَتْ لَهُ الزَّرَابِيُّ وَصُفِّفَتْ لَهُ النَّمَارِقُ وَأَتَتْهُ الخُدَّامُ بِمَا شَاءَتْ
[١] الكافي: ج ٨ ص ٩٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨ ص ١٣٧.