من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٤ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ هكذا هم الشركاء. إنهم لو دعاهم الإنسان إلى يوم القيامة لما استجابوا له، بل هم غافلون عن دعائه يشغلهم شأنهم الخاص عن شؤون الداعين، وسواء كان الشركاء الحجرية، أو الأموات ممن يزعم الشركاء المشركون أنهم شفعاؤهم يوم القيامة، أو الأصنام البشرية التي تعبد من دون الله، فإن لكل واحد منهم سببا لغفلته عمن يدعونهم، أما الأحجار فإنها لا تعي شيئا، وأما الأموات فهم عند ربهم مجزيون بأعمالهم، وأما سلاطين الجور والمترفون وأشياعهم فهم لاهون بمصالحهم عن مصالح من يشرك بهم.
[٦] وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ويوم القيامة يكفر المشركون بشركائهم، ويعادونهم، ويقولون لهم: أنتم الذين ضيعتمونا، وأدخلتمونا النار، وقد قال ربنا سبحانه في آية كريمة يصور لنا العلاقة بين الطرفين يوم القيامة إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [البقرة: ١٦٦- ١٦٧].
[٧] وأما الرسالة، فكيف كانوا يتعاملون معها؟.
والجواب: إنهم من أجل رفض الأفكار القرآنية السليمة كانوا يلفقِّون تهما ويلصقونها بها وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ إنها واضحة بينة، حتى لتكاد تكرههم بقبولها، ولكنهم يصدون عنها بقوة، ويمنعون عن أنفسهم نورها بإصرار، كالذي يهرب من الغيث أن يصيبه رذاذه أو الشمس أن تحوطه أشعتها.
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ حينما يأتيهم الحق يقولون بكل وقاحة: إنه سحر مبين، لماذا؟ لأنه يهيمن عليهم، ولا يدعهم- لاستطالة حجته- يواجهونه بدليل وبرهان. إنهم يقولون: هو سحر، فيقال لهم: ما هو دليلكم على بطلانه؟ فيقولون: ليس عندنا دليل، ولكنه سحر!
هكذا يعادي الإنسان الحق، حتى إنه يتهم نفسه بفقدان الإرادة والوعي ويقول: أنا أصبحت مسحورا، كل ذلك ليخلِّص نفسه من مسؤولية الإيمان بالرسالة.
[٨] والبعض الآخر يقول: إنه افتراء على الله، وإذا كان قولهم أنه سحر دل بوضوح على مدى تأثير الرسالة عليهم وأخذها بمجامع قلوبهم، وسد الطريق أمام تخرُّصاتهم، حتى إنهم اعترفوا بقدرتها وبعجزهم عن مقاومتها، فإن كلمتهم التي زعموا بها أن الرسالة افتراء دلت على أن الرسول لم يكن يدعو الناس إلى نفسه بل إلى ربه، مما دعاهم إلى اتهامه بأنه مفتر أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ولكن الرسول صلى الله عليه واله هو أول من كان يعلم بوخامة الافتراء، وأنه لو افترى