من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٣ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
أمر الله فيهم بالموت أو الحساب أو العذاب، قال تعالى وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ [الحشر: ٢].
ولكن كل تلك التصورات زائفة، ولهذا يقول الرب أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨]، ويقول عزَّ وجلَّ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩]، فأنت كنت تخاف من سكرة الموت، وحتى تخلص نفسك منها ولو عبر عملية الخداع الذاتي أشركت بالله ما ليس لك به علم، والآن هل يمكن أن يغني عنك ذلك الشريك شيئا؟ كلا .. فهي قد جاءتك، وستذوق مرارة الموت، وتتحسَّس عنفه وفظاعة نزعاته.
وفي الحقيقة: لو يتفكر الإنسان ويتعمقَّ في واقع أمر الشركاء يعلم بفطرته أنهم لا يغنون عنه شيئا، ولكنه يشبه ذلك الغريق الذي يتشبث بكل عشبة، مع علمه بعدم جدوائيتها، وإنما يريد أن يقنع نفسه بأنه يعمل على إنقاذها.
كلا .. إن فطرة الإنسان تهديه إلى أن الشريك الذي يتخذه من أجل إنقاذ نفسه لا بد أن يكون ذا قوة كافية، لا بد أن يخلق شيئا في الأرض (حتى يتساوى مع خالق الكائنات ولو بقدر محدود) أو يمتلك سلطة ما في إدارة السماوات.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ وهم يعرفون- حقا- أن شركاءهم ليسوا كذلك، ولا لهم علاقة بالله يوظفونها لمصلحة المشركين إذا فأين حجتهم في ذلك؟
السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا فأي كتاب من الكتب السماوية دلَّ على أن لله شريكا؟
أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وأي بقية من بقايا العلم، دلت على أن له شريكا؟
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إذا كان بإمكانكم أن تأتوا ببرهان فأتوا به، من كتاب يتلى أو حديث يروى؟
ولكن مَنْ لا برهان له يتشبث بأفكار باطلة، مع علمه بكذبها، وإنما لكي يخلِّص نفسه من مواجهة الحقيقة المرة، وهذه ضلالة خطيرة، فهو كمن يفقد عزيزا ويصعب عليه امتصاص صدمة فقده فيبادر قائلا: كلا .. إنه غير ميت.
[٥] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ