روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٦ - شرح خطبة الفقيه
لَمْ تَخْلُقْ عِبَادَكَ لِفَاقَةٍ وَ لَا كَلَّفْتَهُمْ إِلَّا دُونَ الطَّاقَةِ وَ إِنَّكَ ابْتَدَأْتَهُمْ بِالنِّعَمِ رَحِيماً وَ عَرَّضْتَهُمْ لِلِاسْتِحْقَاقِ حَكِيماً فَأَكْمَلْتَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ عَقْلَهُ وَ أَوْضَحْتَ لَهُ سَبِيلَهُ وَ لَمْ تُكَلِّفْ مَعَ عَدَمِ الْجَوَارِحِ مَا لَا يُبْلَغُ إِلَّا بِهَا وَ لَا مَعَ عَدَمِ.
______________________________
ردا على المجبرة القائلة بعدم العلة و قوله «لطيف لما شئت» أي أقول إنك
تفعل الأفعال المقربة لعبادك إلى طاعتك المبعدة إياهم عن معصيتك، وجوبا في البعض و
تفضلا في الآخر، من إرسال الرسل و إنزال الكتب و التكاليف و غيرها من الألطاف
الخاصة. «لم تخلق عبادك لفاقة» رد لشبهتهم أنه[١]،
لو كان معللا بالغرض لزم النقص، و الاستكمال، بأنه[٢] لا يرجع الكمال إليه تعالى بل إلينا، و
قوله «و لا كلفتهم إلا دون الطاقة» رد على الأشعرية القائلة بجواز تكليف ما
لا يطاق بل بوقوعه، بناء على عدم قدرة العبد مع تكليفه تعالى بالأوامر و النواهي،
بل قال إنه تعالى لم يكلف إلا أقل من الطاقة بكثير، فإنه مع قدرته على صلاة ألف ركعة
بل أكثر في كل يوم و ليلة كلفه بسبع عشرة ركعة و كذا في باقي العبادات و النواهي و
قوله «و إنك ابتدأتهم إلخ» أي أقول: إن خلق العالم سيما الإنسان نشأ من محض
رحمة وجوده تعالى كما قال تعالى (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ
الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ)[٣] و قوله «و عرضتهم
إلخ»
يعني أن الحكمة اقتضت تعريضهم لاستحقاق الرحمة و الثواب، فإنه النفع المقارن
للتعظيم و الإجلال و يقبح بدون الاستحقاق بسبب الأعمال.
و لما لم يمكن التكليف إلا بإكمال الآلات و أعظمها العقل بل هو المخاطب و المعاتب و المثاب و المعاقب قال «فأكملت لكل مكلف عقله» و هذا الإكمال هو التكليفي الذي يحصل غالبا قبل البلوغ بالتدريج «و أوضحت له سبيله» الخير و الشر كما قال تعالى وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[٤] و لما كان العقل غير مستقل في جميع الأمور و إن عرف بعض
[١] بيان لشبهتهم.