المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٩
الطريقة إنّما يغنيها عن أمر يؤثّر فيها و يمتنع من تعليلها لوجوبها، إذ لو كانت جائزة غير واجبة لما امتنع عن تعليلها.
فإن قالوا: لا نعني بالوجوب وجوبا معلّقا من دون اعتبار أمر آخر. و مع ذلك فإنّه لم يثبت هذا الوجوب في حقّنا. و ذلك لأنّه إنّما وجب فيه تبارك و تعالى هذه الصفات باعتبار صفته الذاتيّة، و فينا إنّما وجبت باعتبار المعاني التي توجبها، فلا مساواة بين الشاهد و الغائب في وجوب هذه الصفات.
قلنا: وجوب هذه الصفات فيه تبارك و تعالى باعتبار صفته الذاتيّة ممّا لا يمكنكم أن تعلموه قبل إثبات تلك الصفة و أنتم بعد في إثبات تلك الصفة بهذه الطريقة، فكيف تعلمون وجوبها باعتبار تلك الصفة. فأنتم بين أمرين في هذه المقام إمّا أن تقولوا: نعلم وجوبها مطلقا من دون اعتبار أمر وراء ذاته، و هذا يقتضي أن لا يعلّل، لأنّ في تعليله نقض الوجوب على ما بيّناه؛ و إمّا أن تقولوا: إنّها واجبة باعتبار أمر في الجملة، إذ لا يمكنكم أن تعيّنوا هذا الأمر قبل إتمام هذه الطريقة، و الوجوب باعتبار أمر في الجملة قائم فينا، فلا مفارقة بين الشاهد و الغائب في هذا الوجوب.
ثمّ نقول: و لئن دلّت هذه الطريقة على إثبات مزيّة، فلم لا يجوز أن يثبت المزيّة في حقّنا دونه تبارك و تعالى بأن نقول: المزيّة فينا هي أنّا نستحقّ هذه الصفات لمعان لا لذواتنا، فلهذا كانت جائزة فينا غير واجبة، و هذا الأولى لأنّ إيقاع التعليل في جنبة الجواز أولى من إيقاعه في جنبة الوجوب. و ذلك لأنّ الوجوب بالاستغناء عن التعليل أولى، فثبت بهذه الجملة أنّ هذه الطريقة أيضا لا تدلّ على إثبات تلك الصفة و صحّ قولنا: إنّه لا طريق إلى إثباتها.
فإنّ قيل: فأين أنتم عمّا يستدلّ به أبو هاشم و أصحابه على إثبات الصفة الخامسة من قولهم: يجب في كلّ ذات أن تثبت على صفة لو رئيت لرئيت عليها، مرئيّة كانت الذات أو غير مرئية. فعلى هذا يجب أن يكون تعالى على