المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦٥
له الخليفة في مناظرته، فحرّك أبو العتاهية يده و قال: «من حرّك هذا؟» فقال ثمامة: «من أمّه زانية»، فقال أبو العتاهية: «يا أمير المؤمنين! اشتمني»، فقال ثمامة: «يا امير المؤمنين! ترك مذهبه»، فانقطع أبو العتاهية.
أمّا شبههم التي يوردونها، فليس بأغمض من شبه السوفسطائيّة، كقولهم يرى العنبة في الماء كالإجّاصة، و نرى المرئيّ معوّجا في الماء، و راكب السفينة يرى الشط كأنّه سائر. ثمّ أنّ هذه الشبهات لا تزيلنا عن العلم و الثقة بالمشاهدات، فكذلك شبه الحالفين في المخلوق.
و قد استدلّ الشيوخ أيضا في المسألة بأنّ قالوا: تصرّف العبد يجب وقوعه بحسب قصده و داعيه، و انتفاؤه بحسب صارفه، و عنوا بوجوب الوقوع، استمرار وقوع التصرّف بحسب الداعي لأجلها، أ لا ترى أنّ العطشان العالم بما في شربه الماء من اللذّة و تسكين عطشه، إذا لم يعتقد فيه ضررا أو فوت منفعة أعظم منه، فإنّه لا بدّ من أن يقع منه الشرب، و العالم بما في النار من الإحراق و المضرّة إذا لم يعتقد فيه منفعة أعظم من مضرّتها أو اندفاع ضرر أعظم منها لا بدّ من أنّ يتجنّبها. فلو لا أنّ تصرّفه من فعله لما وجب وقوعه بحسب قصده و داعيه و لا انتفاؤه بحسب صوارفه كتصرّف غيره.
و لقائل أن يقول لهم: إذا كنتم تعلمون وجوب وقوع تصرّف العبد بحسب دواعيه ضرورة فقد علمتموه فاعلا ضرورة، إذ قد بيّنا الفاعل هو الذي حدث الشيء على سبيل الدواعي.
قالوا: و قد سقط باعتبار الوجوب الذي ذكرناه الاعتراض بوقوع تصرّف العبد بحسب إرادة السيّد و تصرّف الرعيّة بحسب إرادة الملك، و سير الدابّة المروّضة بحسب إرادة راكبها، و وقوع فعل الملجأ بحسب إرادة الملجئ، و وقوع ما يريده أهل الجنة من اللّه تعالى. و ذلك لأنّ شيئا من ذلك لا يجب وقوعه بحسب داعي المذكورين. ألا ترى أنّ العبد قد يعصي سيّده، و كذا الرعيّة قد