المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٥
أخر، سوى ذاته تبارك و تعالى، هو أنّه لا طريق إلى إثبات تلك الذوات، و ما لا طريق إلى إثباته يجب نفيه و لا يجوز إثباته.
فإن قيل: لم قلتم إنّه لا طريق إلى إثبات ذوات أخر تقف هذه الصفات عليها؟.
قلنا: الطريق يجب أن يكون له تعلّق بما يكون طريقا إليه، و إلّا لم يمكن بأن يدلّ عليه أولى من أن يدلّ على غيره، و العلقة إنّما هي للأثر بالمؤثّر و للمؤثّر بأثره، فيمكن الاستدلال بالأثر على مؤثّره و بالمؤثّر إذا كان موجبا على أثره.
فإن قيل: أ ليس المشروط يدلّ على شرطه، كدلالة كونه عالما قادرا على كونه حيّا، و ليس الشرط مؤثّرا في المشروط، و لا بالعكس و كذلك فإنّه يستدلّ بأحد المسبّبين على المسبّب الآخر، كاستدلالنا بالصوت من فعلنا على الاعتماد و الكون اللذين يصاحبانه و ليس أحد المسبّبين مؤثّرا في الآخر، فكيف يصحّ قولكم بأنّ العلقة بين الدليل و المدلول إنّما هي بطريقة الأثر، لا غير.
قلنا: الشرط إنّما ليس له تأثير في تحصيل المشروط، و لكن له تأثير في تصحيحه، فحصول المشروط يدلّ على صحّة حصوله، و صحّة حصوله يدلّ على الشرط، و هي من تأثيره و كذلك أحد المسبّبين إنّما يدلّ أوّلا على سببه ثمّ لمّا علم أنّ ذلك السبب يولّد المسبّبين جميعا استدللنا بثبوت السبب المولّد على المسبّب الآخر، فقد حصل فيه الاستدلال بالأثر أوّلا على المؤثّر، و بالمؤثّر المولّد على المسبّب ثانيا، فلم يخرج عمّا قلناه.
فإن قيل: أ ليس المشايخ قسّموا التعليق بين الدليل و المدلول على أربعة أقسام، فقالوا: إمّا أن يدلّ الشّيء على ما لو لاه لما صحّ، كدلالة الفعل على فاعله القادر؛ أو على ما لو لاه لما وجب، كدلالة الحكم المعلّل على علّته المؤثّرة فيه؛ أو على ما لو لاه لما اختير، كدلالة القبيح على جهل فاعله أو حاجته؛ أو على ما لو لاه لما حسن، كدلالة المعجزة على صدق من ظهر عليه. فكيف حصرتم