المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٣
و ذلك لأنّ الرؤية. كما أنّه إذا قيّد بالصماخ أو الخيشوم لم تفد إلّا إدراكا بكون الصماخ أو الخيشوم آلة على الخصوص فيه. و على هذا لا يصح إثبات أحدهما و نفي الآخر، حتى لو قال قائل: رأيت زيدا و ما أدركته ببصري، أو أدركته ببصري و ما رأيته، لتناقض قولاه، فدلّ على أنّ معناهما واحد.
فإن قيل: أ ليس يقولون: أدركت حرارة الميل ببصري؟ و مع ذلك فإنّه لا يفيد الرؤية، إذ الحرارة لا ترى.
قلنا: هذا ليس من كلام العرب، و إنّما هو شيء اخترعه الخصم.
فإن قيل: كيف تقولون إنّ هذا ليس من كلام العرب؟ أو ليس من المتصوّر أن يكتحل الانسان بميل حارّ فيجد حرارته؟ فإذا كان هذا متصوّرا، فإذا أراد ذلك الإنسان أن يخبر عن تلك الحالة أ ليس لا بدّ له أن له يقول: أدركت حرارة الميل ببصري؟ فكيف تنكرون أن يكون ذلك من كلام العرب؟
قلنا: يمكنه أن يقول: أدركت حرارة الميل بعيني أو بحدقتي. ثمّ و هذا القول إنّما لم يفد الرؤية لأنّه علّقه بالحرارة التي يستوي سائر محالّ الحياة في إدراكها، فلهذا لم يفد الرؤية فأمّا إذا يفد معلّقا مثل ذلك فلا شكّ في أنّه يفيد الرؤية بهذا، كما أنّه لو قال: أدركت بصماخي أو خيشومي حرارة شيء يفيد الإدراك الخاصّ بالآلتين. ثمّ و لا يقدح ذلك في أن يكون الإدراك المقيّد بهما من دون تعليقه بحرارة أو برودة مفيدا للإدراك الخاصّ بهما كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: لم قلتم إنّه تعالى تمدّح بهذا النّفي عن نفسه؟
قلنا: هذا مجمع عليه، و إنّما اختلفت الامّة في جهة المدحة به، و لأنّ سياق الآية يدل على أنّه مدح، لأنّ الآية من أوّلها إلى آخرها في مدائح اللّه تعالى، فانّ ابتداء الآية قوله تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ» و انتهاءها قوله تعالى: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [١] فلا يجوز أن يتحلّلها ما لا يكون
[١] الانعام: ١٠١.