المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٦
عقله من إهماله و يرجو بفعله زوال ما يخافه، و ما هذا حاله يكون دفعا للمضرّة فيكون واجبا و أمّا الوجه الآخر الراجع إلى المعرفة، فهو أنّ معرفة اللّه تعالى واجبة و لا تحصل إلّا بالنظر فيجب النظر بوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.
فإن قيل: على الوجه الأوّل إنّكم بنيتم وجوب النظر على خوف العاقل من إهماله، فلم قلتم إنّه يخاف من إهماله؟ و ما سبب خوفه؟ أ رأيتم لو لم يحصل لبعض العقلاء هذا الخوف؟ أ ليس لا يجب عليه هذا النظر على ما ذكرتموه؟
فيكون قد خلا ذلك العاقل من وجوب النظر عليه، فيبطل قولكم إنّه ممّا لا يخلو المكلّف مع كمال عقله من وجوبه.
قلنا: إنّه يخاف بأحد الأسباب المعروفة المذكورة في الكتب التي هي إمّا أن يسمع اختلاف الناس في آرائهم و أديانهم و تضليل بعضهم بعضا و ادّعاء كلّ فريق منهم أن الحقّ معهم و الباطل مع مخالفيهم إن كان ناشئا فيما بينهم أو بان يسمع تذكير مذكّر أو وعظ واعظ يذكّر الناس بأيّام اللّه و الثواب و العقاب، و إمّا أن ينتبه من ذي قبل بأن يرى آثار النعمة على نفسه ظاهرة فيجوّز أن يكون له صانع صانعه و أنعم عليه بتلك المنافع و أراد منه معرفة و شكره و أنّه لو عرفه و شكره ربما زاد في نعمته و إن لم يعرفه أزال عنه نعمته، و ربما أضرّه بنوع مضرّة، إذ قد تقرر في عقله أن من لا يشكر النعم يستحقّ الذمّ، و الذمّ ممّا يضرّ المذموم. و إن لم يتفق له أحد هذين الوجهين، فلا بدّ من أن يخطر اللّه بباله ما يتضمّن هذا المعنى فيخوّفه به و ينبّهه على جهة الخوف و سببه، فيعلم عند ذلك وجوب النظر عليه.
أمّا قول السائل: أ رأيتم لو لم يحصل له هذا الخوف؟ فالجواب عنه أن نقول لو لم يحصل للعاقل شيء من أسباب الخوف لم يكن مكلّفا جملة، و ذلك لأنّه إذا لم يخف لم يجب عليه النظر على ما ذكره السائل، و إذا لم يجب عليه النظر فلا يكلّفه اللّه تعالى النظر، و إذا لم يكلّفه النظر لم يكلّفه المعرفة، إذ لا يمكن تحصيل