المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٣٧
قلنا: لو بيّن ذلك لنقل منه كما نقل بيانه المتراخي.
فإن قالوا: يجوز أن لا ينقل، و لكن نحن نعلم أنّ البيان صدر منه في الحال، لعلمنا بأنّ البيان لا يتأخّر.
قلنا لهم: فجوّزوا أن يكون بيان نسخ السبت صدر منه في الحال و لم ينقل منه، كما لم ينقل ما ذكرتم، و قد ذكر بعضهم انّ حزقيل ذكر زيادات في عبادات يعتقدون أنّ تك الزيادات تلزمهم عند مجيء منتظرهم ثمّ هم مختلفون فيها، فمنهم من يقول: إنّ موسى عليه السلام ما ذكر تلك الزيادات. و منهم من يقول ذكرها و لكنّها لم تنقل عنه، فتقول لمن قال إنّه لم يذكرها أصلا: أ ليس تلك الزيادات ترفع إباحة تركها، و هذا نسخ في المعنى، فقد وقع ما هو في معنى النسخ بعد موسى على يد نبيّ آخر، فجوّز و امثله في السبت، و نقول لمن قال إنّه ذكرها و لم ينقل عنه جوّز أنّه قد بيّن انقطاع التعبّد بالسبت و لم ينقل عنه خاصّة، و الهوى و حبّ المذهب يدعوكم إلى ترك نقل ذلك.
فإن قالوا: إنّما يلزمنا أن نقول: قد بيّن موسى عليه السلام انقطاع التعبّد بالسبت لو نسخه من صحّت نبوّته.
قلنا: أنتم دفعتم نبوّة نبيّنا عليه السلام لأنّه نسخ ما لم يبيّن موسى عليه السلام انقطاعه فإذا لم تعلموا أن موسى لم يبيّن ذلك بطل دليلكم، فيوجب أن لا تقطعوا بذلك على أنّه ليس بنبيّ. و بعد، فإنّ كلامهم هذا يقتضي أن يقطعوا على أنّ موسى عليه السلام قد أشعرهم بنسخه مهما صحّت نبوّة محمّد عليه السلام: فليقتصروا على مطالبتنا بالمعجزات الدالة على نبوّته حتّى نذكرها لهم و نبيّن صحّتها، و ليتركوا الاحتجاج بما لا يعلمونه، من أنّه نسخ ما لم يبيّن موسى انقطاعه.
و قد قال بعض اليهود: إنّ قصّة البقرة إنّما انقطع التعبد بها، لأنّ المتعبدين بها هم بنو هارون، ثمّ بيّن نبيّ آخر بعد موسى أنّ المتولي لذلك هو من نقطع