المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١١٨
العلم بأنّه لو كان لوجب أن ندركه، فمن زعم انّه لا يعلم هذا الأصل، يلزمه أن لا يعلم الفرع المبنيّ عليه.
فإن قيل: إنّ اللّه تعالى أجرى العادة بخلق الإدراك المتعلّق بما يحضرنا من المدركات الجليّة، فلا يجوز خلافه.
قلنا: نحن نعلم ضرورة وجوب إدراكنا لما يحضرنا من المدركات الجليّة التي تحضرنا مع ارتفاع الموانع، كما نعلم وجوب انتفاء العلم عند انتفاء الحياة و وجوب انتفاء السواد عند طروّ البياض، و هذا يؤدّي إلى ارتفاع الفرق بين الامور الواجبة و بين الامور المعتادة.
ثمّ نقول: ما يكون من باب العادة لا بدّ من جواز دخول الخلف فيها ليحصل الفرق بينها و بين الامور الواجبة. فلو كان إدراكنا لما يحضرنا من المدركات الجليّة مع ارتفاع الموانع ممّا طريقه العادة لتصوّر دخول الخلف فيها، و كان يلزم ما ذكرناه من تجويز حصول المدرك عندنا و إن لم ندركه على ما ذكرناه بديّا و أن ندرك البقّة التي تكون بالصين و لا ندرك الجبل الذي يكون بحضرتنا بأن يخلق اللّه تعالى فينا الإدراك المتعلّق ببقّة الصين و لا يخلق لنا الإدراك المتعلّق بالجبل الذي عندنا.
فإن قيل: أ ليس اللّه تعالى أجرى العادة بأن لا يخلق ولدا لا من ذكر و انثى و لا يختلف هذا في زماننا هذا، و كذلك أجرى العادة بأنّ لا يخلق جنين البشر من غير البشر، و كذا جنين البهيمة لا يخلق إلّا من البهيمة، و هذا شيء لا يختلف قطّ و لا يدخله الخلف. فهلّا جاز أن يكون كذلك في مسألتنا.
قلنا: إن لا يخلق نفي فلا يكون عادة، لأنّ العادة فائدتها العود إلى مثل ما فعله الفاعل، و المنفيّ لا يتحقّق هذا فيه، فإذن ما يمكن صرفه إلى العادة في المثال الذي ذكره السائل هو خلق الولد من الذكر و الانثى، و خلق جنين البشر من البشر، و كذا خلق جنين كلّ حيوان من جنسه، و هذا ممّا قد يدخله