المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٨٤
فعلى هذا الخاطر في مسألتنا هذه هو العلم بحقيقة الصانع و الثواب و العقاب، و لا أعني به العلم بثبوت الصانع و ثبوت استحقاق الثواب و العقاب، بل العلم بأنّ كلّ واحد من هذه الامور ما هو فإذا علم العاقل حقائق هذه الامور و عنده أمارات ثبوتها، فيتنبّه لها إمّا من قبل نفسه، و إمّا بأنّ ينبّهه اللّه تعالى عليها خاف لا محالة، و معنى تنبيه اللّه تعالى له إن يذكره إيّاها إذا كان ذاهلا عنها بأن يخلق فيه العلم بها.
و قد جوّز أبو هاشم و أصحابه أن تقوم الكتابة مقام الكلام الخفيّ الذي جعلوه خاطرا فيمن يحسن قراءة الكتابة و فيمن لا يحسن القراءة إذا كان عنده من يقرؤها و يبيّن له معناها إن احتاج إلى بيان في معرفة معناها و قد ردّوا على أبي عليّ بأن قالوا، من يخطر له ما يخوّفه من ترك النظر و المعرفة يجد نفسه كالمضطرّ إلى ذلك الخاطر و لا يجد لنفسه في ذلك اختيارا. فلو كان الخاطر اعتقادا لما كان من جهته، بل من جهة اللّه تعالى، لأنّ غير اللّه لا يقدر على أن يفعل في الغير اعتقادا. فإذا كان من جهته تعالى: فلو لم يكن معتقده على ما تناوله كان جهلا قبيحا و اللّه لا يفعل ما كان ذلك وصفه، و إن كان معتقده على ما تناوله كان علما. و معلوم أنّ من يخطر له ما يخوّفه من ترك النظر. و المعرفة ليس حاله حال العالمين القاطعين، بل حال الشاكرين المجوّزين و لو كان عالما قاطعا ما كان خائفا من ترك النظر.
و لقائل أن يقول: إن كان أبو علي عنى بقوله في الخاطر: «إنّه اعتقاد»، اعتقاد حقائق هذه الامور و العلم بها على ما شرحناه، لا اعتقاد ثبوتها؛ فانّه لا يتأتى كلامكم عليه، لا انّ العلم بذلك أو الاعتقاد له ليس علما بثبوت الصانع و تحقيق استحقاق الثواب و العقاب و اعتقادا له حتّى يمكنكم أن تقولوا حاله حال المجوّز الشاك لا حال العالم القاطع، لأنّ شكّه و تجويزه إنّما هو في تحقّق الصانع و استحقاق الثواب و العقاب و ثبوت ذلك، لا في المعرفة بحقائق هذه الامور و قصورها. كما أنّ