المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٤
مدحا، لأنّه يخرج الكلام من أن يكون من كلام الحكماء، ألا ترى أنّ الحكيم لا يجوّز أن يقال: فلان عالم فاضل سخيّ يأكل بالليل و يشرب بالنهار عابد زاهد، و لإن قال ذلك، لقدح في حكمته.
فإنّ قيل: لم قلتم إنّ هذا المدح يرجع إلى ذاته، لا إلى الفعل؟ و أيّ حاجة بكم إلى هذا الاعتبار؟
قلنا: إنّما قلنا إنّه يرجع إلى نفسه من حيث إنّ الإدراك ليس بمعنى ما أشرنا إليه من قبل حتّى يقال هذا التمدّح راجع إلى نفي فعله للإدراك، و لئن كان الإدراك معنى لما صحّ أن يتمدّح تعالى بنفي فعله. و ذلك لأنّ رؤية اللّه تعالى عندهم من أعظم الثواب فلا يجوز أن يتمدّح بأنّي لا أفعل ذلك. و إنّما أوردنا هذا التقييد لأنّه لو كان التمدّح بنفي فعل لتصوّر أن لا يكون إثباته نقضا بأن يكون متفضّلا بذلك النفي، كما لو تمدّح بأنّه يعفو عن العصاة. و ذلك لأنّه لو عاقبهم لما كان ذلك نقضا في حقّه من حيث إنّه متفضّل بالعفو.
فإن قيل: فما وجه هذه المدحة؟ و كيف يتمدّح تعالى به؟ مع أنّ غيره قد شاركه في أنّه لا يرى كالضمائر من العقائد و الإرادات و الأنظار.
قلنا: إنّه تعالى ما تمدّح بمجرّد نفي الرؤية عن ذاته، بل بنفي الرؤية عن ذاته مضافا إلى كونه رائيا. الا ترى إلى قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» [١] فصار تمدّحه بذلك كتمدّحه بأنّه لا تأخذه سنة و لا نوم، لأنّه إنّما تمدّح بذلك بانضمام كونه حيّا إليه، في قوله تعالى: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» [٢] و كما تمدّح بأنّه يطعم و لا يطعم. و هذا ممّا لا يشركه فيه غيره.
[١] الأنعام: ١٠٣.
[٢] البقرة: ٢٥٥.