المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٢
بالكلية يبطل جميع ذلك على طريقة واحدة، و لا مقتضي لما زاد على اعتدال مزاجه و صحته و لا دلالة عليه، فوجب نفيه إذ بمثل هذا الطريقة نعلم المؤثّر في الشيء بأن يتبعه التأثير نفيا و إثباتا، و لا يكون هناك مقتض للزائد عليه. و لو لا صحّة هذه الطريقة لما علم إضافة مسبّب إلى سبب و لا مضادّة شيء لشيء ما.
و قد نصرنا هذه الطريقة و بسطنا القول فيها، إذا تقرر هذا فاعتدال مزاج هذا البدن و صحته هو صفة البدن، فإذن الموصوف بهذه الصفة هو الحيّ القادر المطيع و العاصي.
و نقول للفلاسفة الذين يقولون: «إن النفس ليست منطبعة في هذا البدن»، إن كانت النفس تستعمل هذا البدن، و البدن آلة لها، لزم أن يضاف أفعال البدن إلى النفس دون البدن، لأنّ الفعل يضاف إلى الفاعل بالآلة لا الى الآلة، و العقلاء يعلمون علما ضروريّا، أنّ الفاعل و المدرك و العالم هو هذا البدن، لأنّهم يستحسنون ذمّه على القبيح من أفعاله و مدحه على الحسن منها.
و لو كان الفاعل غيره و هو آلة له لكان بمنزلة الحجر الذي يرمي به الإنسان غيره فيوله به، فانّهم لا يستحسنون ذمّ الحجر و إن كان آلة للرامي. فلمّا استحسنوا ذمّ البدن و مدحه و آمره و نهيه، علمنا أنهم مضطرون إلى العلم بأنّه الفاعل. و كلّ ما يلزم المجبّرة الذين يضيفون أفعال البدن إلى اللّه تعالى، يلزم هؤلاء الفلاسفة، فانّهم أيضا مجبّرة و قدريّة، لا فرق بينهم و بين أولئك المجبّرة في إضافة أفعال البدن إلى غيره.
و نقول لهم [١]: إذا كانت النفس غير منطبعة في البدن، فلم كانت بأن تستعمل بدنا أولى من أن تستعمل غيره، مع انّ نسبة ذاتها إلى سائر الأبدان نسبة واحدة، إذ ليست حالّة و لا منطبعة في شيء منها و لا مجاورة من حيث انّ
[١] ج: و يقال لهم.