المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٣
المجاورة مستحيلة عليها، و إنّما يلزمهم ما ذكرناه لأنّ النفس موجبة عندهم لاستعمال البدن غير مختارة، بخلاف القادر عندنا.
و قد زعموا أنّ لها تعلّقا ببدن دون بدن و شغفا به دون غيره، كالأمّ ترؤف ولدها دون ولد غيرها، قالوا: و ذلك التعلّق و الشغف سببهما أنّهما حدثت مع حدوث ذلك البدن و تكوّنه.
فنقول لهم: إنّ سبب رأفة الأمّ بولدها و شفقتها عليه أنّه مخلوق منها و فيها و هو بعضها، وتره و تربيه، و تعتقد أنّه ينفعها، و شيء من هذا لا يثبت للنفس مع البدن، فانّها عندكم ليست في مادّة. و في الجملة شفقة الأم على الولد من فعل اللّه تعالى القادر المختار الذي يفعل ما يعلمه مصلحة للعباد و يراه إحسانا إليهم، و هذا ممّا لا تقولونه. و إن أضفتم تعلّقها ببدن دون بدن إلى موجب آخر، يلزمكم في ذلك الموجب ما ألزمناكم في النفس و قلنا و لم أوجب ذلك الموجب تعلّقها بذلك البدن، دون بدن آخر، إذ لا اختصاص لذلك الموجب بإيجاب تعلّق دون تعلّق، ثم و لم لم يوجب ذلك التعلّق لنفس أخرى، لأنّه لا اختصاص له بنفس دون نفس.
أمّا قولهم: «إنّها حدثت مع حدوث ذلك البدن و تكوّنه»، فليس ذلك شيئا يوجب الاختصاص و التعلّق، سيما إذا لم يكن بينهما مجاورة و لا إحساس أحدهما بصاحبه ألا ترى انّ شخصين من الأشخاص الإنسانيّة قد يولدان في لحظة واحدة و مع ذلك فانّ أحدهما لا يحبّ الآخر بل ربّما أبغضه ثمّ و قد يتفق تكوّن جنينين و ثلاثة و أكثر في لحظة واحدة: فالنفس الحادثة في تلك اللحظة يجب على مقتضى تعليلكم هذا أنّ تستعمل جميع تلك الأبدان و أن لا يكون لها من الاختصاص ببعضها ما ليس لها بغيره منها، و ملزوم هذا أن لا تختلف أفعال تلك الأبدان و ان يقع تصرّفهم بحسب قصد وداع واحد، و خلافه معلوم.
فإن قالوا: تلك الأجنّة و إن تكوّنت في وقت واحد، فانّها تختلف في