المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٨
- تبارك و تعالى- جائزة في حقّنا»، فوجب أنّ يكون وجوبها له- تبارك و تعالى- لمزيّة تثبت فيه و هي التي نريد إثباتها، فهو أن نقول: ما تعنون بوجوب هذه الصفات له تبارك و تعالى؟ أ تعنون به استمرارها مطلقا؟ أم تعنون به استمرارها لم يزل؟ أم تعنون به استحالة خلافها، أي: استحالة أن لا يكون موصوفا بها؟ إن أردتم الأوّل، فاستمرار هذه الصفات قائم فينا، لأنّها أيضا مستمرة لنا. و إن عنيتم الثاني و هو أزليّة هذه الصفات، فإنّها إنّما كانت ثابتة له- تبارك و تعالى- لم يزل، لأنّها ذاتيّة له تعالى صادرة عن ذاته الأزليّة، و لا يتوقف على شروط مترقبة و لا حاجة إلى إثبات مزيّة. و إن عنيتم الثالث و هي استحالة خلافها، أ فهذه الصفات واجبة له تعالى وجوبا مطلقا باعتبار ذاته فحسب، أو باعتبار أمر وراء الذات، إن وجبت باعتبار أمر وراء ذاته؟ قلنا: فإذا علمتم وجوبها باعتبار أمر وراء الذات، لم يمكنكم الاستدلال بهذا الوجوب على إثبات أمر وراء الذات، لأنّكم إنّما علمتم على هذا التفسير الوجوب باعتبار ذلك الأمر، و من حقّ الدليل أن يكون العلم به سابقا للعلم بالمدلول.
ثم و فيه وجه آخر من الفساد: و هو أنّ فيه أخذ المدلول في الدليل. و بعد، فأنّ هذا الوجوب قائم في اتصافنا بهذه الصفات، لأنّها أيضا واجبة فينا باعتبار أمر وراء ذواتنا، و هي المعاني الموجبة لها عندكم و إن وجبت مطلقا باعتبار ذاته من دون اعتبار أمر آخر، فتعليل هذا الوجوب ينقضه، أي ينقض إطلاقه.
ألا ترى أنّهم قالوا: وجبت هذه الصفات مطلقا باعتبار ذاته فحسب، ثمّ قالوا عند التعليل: إنّها لا تجب باعتبار ذاته فحسب و إنّما تجب باعتبار أمر آخر. و هذا تناقض ظاهر.
يؤكّد ما ذكرنا من أنّ هذا الوجوب لا يجوز تعليله أنّهم يستدلّون في جملة ما يستدلّون على الصفاتيّة، بأنّ هذه الصفات واجبة له تبارك و تعالى، و الصفة بوجوبها تستغني عمّا يؤثّر فيها. يزيده تأكيدا أنّ الصفة التي يثبتها أبو هاشم بهذه