المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٤
من أظهر عليه المعجز، فكيف يعرف اللّه تعالى بصدقه، و هل هذا إلّا إيقاف كلّ واحد من العلمين على الآخر، فلا يحصلان و لا واحد منهما.
فإن قيل: إذا لم يكن التعليم طريقا إلى تحصيل المعرفة فلما ذا تدرسون و تتدرّسون و تعلّمون و تتعلّمون و تصنّفون الكتب و تحثّون على قراءتها و درايتها، و هل هذا إلّا مناقضة منكم و تعليم أنّه لا يجوز الاشتغال بالتعليم!
قلنا: هذا الذي ذكرتموه هل هو إلّا نظر و اعتبار و استدلال، لأنّكم تقولون لو لم يكن التعليم حقّا لما اشتغلتم بالتعليم و تلزمون خصومكم المناقضة، و إلزام المناقضة ضرب من ضروب النظر و الاستدلال؛ إذ هو استدلال على فساد مذهب الخصم بلزوم المناقضة فيه، فهل أثمر استدلالكم هذا لكم علما و معرفة أم لا؟ إن قالوا: لا، قلنا: فقد أبطلتم معنى الكم، و إن قالوا: نعم، فقد أبطلوا مذهبهم في أنّ النظر و الاستدلال ليس طريقا إلى المعرفة، و ظهر أنّهم هم المناقضون في هذا القول. فهذا معارضة صحيحة لهم.
ثمّ نقول في الجواب: إنّ اشتغالنا بما ذكروه من التدريس و التدرّس و التعليم و التعلّم ليس هو ليحصل العلم بمجرّد قول المدرّس و المعلّم، و إنّما هو تسهيل الطريق و التنبيه على الأدلة، فقول المدرّس و تصنيف المصنّف و ما أودعه الكتّاب ينبّهنا على الدليل و يسهّل طريقنا إلى التوصل إليه فإن نحن نظرنا علمنا، و إن لم ننظر لم نعلم بمجرّد قولهم الحقّ فبطل قولهم.
يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّا لا نراعي صدق المدرّس و المصنّف كما تراعون أنتم صدق المعلّم، و على هذا قد يتعلّم و يقرأ متعلّم من طائفة عند مدرّس من طائفة أخرى، و لا شكّ في أنّ هذا بخلاف ما تذهبون إليه.
فإن قيل: كيف يعلم المكلّف وجوب معرفة اللّه تعالى عليه و هو لا يعرف صفة المعرفة على التفصيل، إذ هل تكليفه المعرفة مع فقد علمه بصفته تعيينا إلّا ملحقا بتكليف ما لا يطاق.