المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦١
كالبلدان و الوقائع الكبار التي أخبرنا عنها. و رابعها: ما نعلمه بالنظر.
و معرفة اللّه تعالى ليست من البديهيات، لاختلاف العقلاء فيها، و لإمكان دخول الشبهة، فيها، و لصحّة الاستدلال عليها، إذا لبديهيّ لا يتصوّر فيه شيء من ذلك؛ و ليست هي من القسم الثاني، لأنّه تعالى ليس بمدرك، و لأنّ من يطلب العلم به من طريق الإدراك لا يعلمه فينقطع طمعه في أن يحصل معرفته من طريق الإدراك؛ و ليست أيضا من القسم الثالث لأنّ ما يعلم بالأخبار المتواترة، لا بدّ من أن يكون مدركا و أن يستند الخبر فيه إلى الإدراك. أ لا ترى أنّ جماعة المسلمين يخبرون الكفّار عن توحيد اللّه تعالى و عدله و نبوّة محمّد صلى اللّه عليه و آله، كما يخبرونهم عن بلدانهم و الأحوال الجارية فيما بينهم، فيحصل لهم العلم بالثاني دون الأوّل، لما كان هو مدركا و ذاك غير مدرك، و قد ذكرنا أنّه تعالى ليس بمدرك. فلم يبق إلّا أن يكون من القسم الرابع، و هو أن يكون طريق معرفة النظر.
فإن قيل: و لم قلتم إنّ علومنا منحصرة في هذه الأقسام؟ و لم لا يجوز أن يكون هاهنا قسم آخر؟
قلنا: لو كان هناك قسم آخر لتصوّر أنّ يعلم الواحد منّا شيئا، لا بأن يعلمه علما أوّليّا و لا بأن يدركه و لا بأن يخبرها المتواترون عنه، و لا بأن ينظر و يتفكّر في شيء، و المعلوم خلاف ذلك.
فإن قيل: أ ليس العلم بالمحفوظ الذي يسمّى حفظا يحصل لا من شيء من هذه الطرق، بل بالتكرار و كذا العلم بالصناعات فانّه يستفاد من الممارسة لا من شيء من هذه الطرق، و قد نعلم بالخبر ما لا يكون كما نعلمه بخبر اللّه تعالى و خبر الرسول و المعصومين عليهم السلام، فكيف يصحّ قولكم: انّ ما نعلم بالخبر لا يكون الا مدركا؟
قلنا: امّا العلم المحفوظ و العلم بالصناعات فيدخل فيما يعلم من طريق