المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥١
يبيّن ما ذكرناه و يوضحه: أنّ الأعيان المعدومة لو ثبتت لكان الطريق إليها الاستدلال دون الضرورة، إذ لا يمكن أن يقال: نعلم ضرورة كون المعدوم ذاتا و عينا من حيث إنّ دعوى الضرورة في ذلك ليست بأولى من دعوى الضرورة في خلافه، بل ادّعاء الضرورة في خلافه أقرب إلى الأوهام.
إذا تقرّر أن طريق ذلك إنّما هو الاستدلال بأن [١] لو ثبت. فمن لم ينظر فيما يدلّه على ذلك أو لم يكن من أهل النظر جملة، كالصبيّ، فإنّه قد يعلم أفعاله قبل وجودها و قد يميّز بعضها عن بعض و يقع تصرّفه بحسب قصده و داعيه.
ثم لا يمكن ادّعاء القول بأنّه يعلم الذوات المعدومة، بل زائدا على الصّبي، فإنّ الحيوانات التي ليست من جنس الإنس، كالطّيور و الوحوش و البهائم تعلم أفعالها قبل وقوعها و تميّز بعضها من بعض ألا ترى أنّ الطير مثلا يفصل بين الطيران الممكن وقوعه منه و بين الوقوف حتّى إذا قصده إنسان أو شيء من الجوارح فإنّه يطير و لا يقف، و لا ذلك إلّا لفرقه بين الطيران و الوقوف، و كذا القول في سائر الحيوان أ فترى أنّها تعلم الذوات المعدومة أنّ هذا لجهالة عظيمة تمسّكوا بكونه تبارك و تعالى عالما بالمعدوم، و قالوا إنّه يعلم المعدومات مفصلة مميّزة، و لا يصحّ أن يعلمها مفصّلة مميّزة إلّا و هي كذلك، و الأشياء لا تكون مفصلة مميّزة إلّا بالصفات، و الصفة لا تثمر التميّز إلّا و هي ثابتة في الحال. أمّا المترقبة فإنّها لا تفيد التميّز سابقا عليها، فثبت بهذا أنّ المعدومات أشياء موصوفات معيّنات، و لو لا علمه بذلك ما صحّ منه إيجاد ما يريده بدء و عودا.
و الجواب عن ذلك، أنّا نقول: أمّا التمسك بكون الواحد منّا عالما في المسألة، فله وجه، و ذلك لأنّا نعلم كوننا عالمين بما نعلمه على التفصيل، فصحّ أن يدّعى أنّا نعلم المعدوم على وجه كيت و كيت و نميّز بينها، و يمكن الحوالة على
[١] م: أن.