المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٠٦
ثمّ يقال لهم: ما تعنون بقولكم: المعجز يدلّ على النبوّة بطريق الابانة؟
أ تعنون به أنّه يدلّ على صدق المدّعي للنبوّة و تميّزه بكونه صادقا في تلك الدعوى من أمّته و من المتنبّي الكاذب في دعواه النبوّة، و لا يدلّ على حال غيره، لا على صدقه و لا على كذبه؟ أم تعنون به أنّه كما يدلّ على صدق المدّعي للنبوّة فانّه يدلّ على أنّ غيره ليس بصادق ممّن لم يظهر عليه معجز؟
إن عنيتم الأوّل فهو صحيح. و يجب على هذه العناية أن يدلّ المعجز في كلّ موضع ثبت مطابقا لدعوى المدّعي للنبوّة على صدقه في دعواه النبوّة إيجابا، لطرد الدلالة، و لا يدلّ على ما رمتم من أنّه يدلّ على أنّ غيره ليس بصادق.
و إن عنيتم الثاني فهو غير مسلّم لم قلتم: إنّه كما يدلّ على صدق المدّعي للنبوّة فانّه يدلّ على نفي الصدق عن غيره ممّن لم يظهر عليه معجز؟ و الدليل إنما يدلّ في الموضع الذي ثبت على ثبوت مدلوله و أنّه على ما دلّ عليه و لا يدلّ على نفي مدلوله في الموضع الذي لا يثبت فيه ذلك الدليل، و لهذا لم يجب الانعكاس في الدليل. الا ترى أنّ صدور الفعل المحكم من الفاعل إنما يدلّ على صحّته منه و على انّه عالم، و لا يدلّ على انّ من لم يصدر منه الفعل المحكم لا يصحّ منه الإحكام، و انّه ليس بعالم، و إنّما الذي يدلّ على أنه غير عالم تعذّر الإحكام عليه.
كذلك المعجز إنّما يدلّ على نبوّة المدّعي لها بطريق التضمّن على ما بيّناه، و لا حظّ له في الدلالة على نفي النبوّة أو الصدق عن الغير، و إنّما الذي يدلّ على أنّ غيره من المدّعين للنبوّة أو غيرهم ليس بنبيّ عدم ظهور المعجز و ما يقوم مقامه عليه من نصّ نبيّ لا ظهور المعجز على النبيّ، و لهذا لم يدلّ ظهور المعجز على واحد من الأنبياء على أنّ غيره من الأنبياء ليس بنبيّ. فثبوت النبوّة في المدّعي لها مدلول ظهور المعجز عليه بالتضمّن كما سبق، و نفي النبوّة عن غيره مدلول عدم المعجز و ما يقوم مقامه، فكيف يكون ما هو مدلول عدم المعجز هو