المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٠
علمنا بها على صورها التي تكون لها عند الوجود و نعلمها متميّزة تميّزا تحصل لها عند الوجود و لا نعلمها معيّنات في العدم، و ذكرنا أنّ علمنا بها كعلم الكاتب بالكتابة التي يكتبها، فإنّه يميّز بين بعض ما يكتبه و بين بعض، ككتابة بسم اللّه و كتابة الحمد للّه. و معلوم أنّه إنّما يتميّز بين الكتابتين بصورتيهما اللتين تحصلان عند وجودهما، إذ لا صورة لهما في العدم. و كما يميّز بين ما ينفيه من قديم ثان مع اللّه تعالى عاجز و بين ما ينفيه من قديم آخر قادر، و كذا بين ما ينفيه من الثاني العالم و الثاني الجاهل، و كما يميّز بين ما ينفيه من الذات المسمّاة بالقدرة القديمة و الذات المسمّاة بالعلم القديم، و بين ما ينفيه من المعنى المسمّى بالبقاء، و بين ما ينفيه من المعنى المسمّى بالإدراك. و من المعلوم أنّ هذه التميّزات لا تستدعي ثبوت متميّزات في العدم، كذلك ما قالوه.
يزيد ما ذكرناه وضوحا: أنّه لا يمكنهم أن يقولوا انّ أحدنا يقصد إلى ذات معيّنة من جنس فيوجدها حتّى يلزم أن يكون عالما بتلك الذات المعيّنة، إذ في العدم من ذلك الجنس ما لا نهاية له و هو لا يميّز بعضها من بعض، كيف يميّزه و لا يختصّ البعض بصفة ليست للبعض و لا بحكم، فصحّ أنّه لا يقصد إلى العين، و إنّما يقصد إلى الجنس، و إذا كان قصده إلى الجنس يجب أن يكون عالما به و هو عالم به، إذ العلم بالجنس هو التصوّر الذي أشرنا إليه، فيوقع ما يطابقه بأن ينشئ ذاتا مطابقة لتصوّره.
و من وجه آخر: لا يصحّ أن يقال: إنّ أحدنا يقصد إلى ذات معيّنة، و هو أنّ غرضه غير متعلّق بالعين، و إنّما هو متعلّق بالجنس.
و قولهم: «علمنا بما نفعله قبل فعله متعلّق بالمعدوم. و إنّما نميّز بعض أفعالنا عن بعض قبل وجودها»، إن عنوا به أنّا نعلم شيئا متعيّنا و نميّز بين أعيان متميّزة كما نعلم و نميّز بين الأشياء الموجودة فهذا غير مسلّم، بل المعلوم الموجود من النفس خلافه على ما ذكرناه.
المنقذ من التقليد ج١ ٥١ القول في أنه تعالى موجود ..... ص : ٤٢