المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٢٨
و أمّا من يقول بأن العوض غير دائم و إن استحقّ عليه تعالى، فانّه يجيب عن السؤال بأن يقول: إن كان الالم دون قطع الاعضاء و إيلامها و هتك الحرمة و غيرها ممّا يشتبه الحال فيه في اختيار جميع العقلاء تحمّل مثل ذلك الألم لمثل ما يجعل في مقابلته من العوض و النفع بأن يكون بحيث لا يشتبه على عاقل أنّ جميع العقلاء يختارون تحمّل مثل ذلك الألم لمثل ذلك العوض، فانّ إيلام أحدنا غيره هذا الضرب من الألم لمثل العوض الذي وصفناه لا يكون ظلما، و لكن يكون عبثا فلا يحسن لذلك.
و إنّما قلنا إنّه يكون عبثا من حيث إنّه يمكن إيصال تلك المنافع إلى الغير و يحسن من دون ذلك الألم و لا ما يقوم مقامه. و ليس له في ذلك غرض آخر، فانّ غرضنا أنّه علم أو غلب على ظنّه أنّه إذا ضرب مثلا غيره بالعصا عدّة ضربات ضربا خفيفا انزجر بها ابنه و اتّعظ و لا ينزجر إلّا بذلك و لم يكن المضروب ممّن له وجاهة و حرمة عند الناس، فانّه يحسن عقلا منه إيلام ذلك الغير إذا جعل في مقابلة إيلامه من العوض و النفع ما يرضى به ذلك الغير او يبلغ الذي يجعله في مقابلة إيلامه إيّاه من العوض و النفع حدّا في الكثرة يعلم أنّ جميع العقلاء يختارون تحمّل مثل ذلك الألم لمثل تلك الأعواض و المنافع، فانّ ذلك الألم يخرج عن كونه عبثا و يحسن عقلا، لأنّه يكون قد خرج عن كونه ظلما بالنفع الموفي الذي وصفناه و خرج بالفائدة المذكورة من كونه عبثا. فان جاء الشرع بالمنع من ذلك فذلك قبيح شرعيّ، لا عقليّ و إن كان الألم شيئا عظيما، كقطع بعض الأعضاء، فانّه لا يحسن ذلك، لأنّ العوض الذي جعله في مقابلة إيلامه ذلك، و إن عظم و بلغ في الكثرة كلّ مبلغ يصل إليه، و ليس له ذلك العوض من اليد أو الرجل أو غيرهما، فالعقلاء غير متساويين في اختيار قطع أيديهم أو [١] أرجلهم أو غيرهما من الأعضاء ليصلوا إلى ملك عظيم، و هم
[١] م: و أرجلهم.