المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٥
فإن قيل: المعنيّ بالذات الّتي نقول [١] الذوات كلّها اشتركت فيه هو ما يصحّ أن يعلم، لا المعلوم الذي تعلّق العلم به.
قلنا: فهذا القول ينبئ عن أنّ الذات هي التي يصحّ كونها معلومة. و الذي يصحّ أن يكون معلوما في السواد إنّما هو أنّه سواد حتّى لو دفعنا أنّه سواد من الوهم لما صحّ أن يكون معلوما و كذا القول في البياض، و كذا القول في الجوهر، فإنّه إنّما صحّ أنّ يعلم لأنّه جوهر. و لو رفعت كونه جوهرا من الوهم، لما صحّ أن نعلمه [٢]. فتبيّن أنّه ليس بين هذه الأعيان اشتراك معنويّ فيما يصحّ كونها معلومات. فثبت بهذه الجملة أن لا معنى لقولهم: اشتركت الذوات في معنى الذاتيّة، فلا يصحّ وقوع الخلاف بها.
ثمّ نقول: و لو تجاوزنا عن هذه المناقشات و ساعدناكم على أنّ الذوات اشتركت في حقيقة معنويّة، و أنّها إنّما تخالف بصفات تكون عليها، كان ذلك مصيرا إلى أنّ الصفات تختلف، لا الذوات، لا الشيء لا يصير مخالفا لغيره في نفسه بأن ينضمّ إلى كلّ واحد منها شيء يخالف ما ينضمّ إلى الآخر، كالجوهرين إذا حلّ أحدهما سواد و الآخر بياض، فإنّ المختلفين في هذه الصورة إنّما هما السواد و البياض لا الجوهران.
ثمّ يقال لهم: و لو نزلنا عن هذه المناقشة أيضا و سلّمنا لكم تسليم جدل، أنّ المخالفة إنّما تقع بين الذوات بالصفات، فلم لا يجوز أن يخالف القديم، جل جلاله، ما يخالفه بكونه قادرا عالما حيّا. قولهم: «هذه الصفات حاصلة لمخالفه»، غير مسلّم و ذلك لأنّ المخالفة حكم راجع إلى آحاد الذات، و ليست من الأحكام الراجعة إلى الجمل، كصحّة الفعل و صحة الأحكام و صحّة كونه
[١] م: تقول.
[٢] م: يعلمه.