المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٧
ليس من جنس الحروف و الأصوات للّه تعالى، و يدّعون قدمه، و سنتكلّم عليهم في ذلك إن شاء اللّه.
أمّا الكلام المركّب من الحروف و الأصوات فلا خلاف من جهتهم في حدوثه، و إنّما المخالف في حدوث الكلام المركّب من الأصوات و الحروف الحنابلة و إذا أحسنّا الظنّ بهم قلنا: إنّهم لا يحققون معنى القدم. و كأنّهم يعنون بالقديم ما تقادم وجوده على ما تعرفه العرب، فيعتقدون تقادم وجود القرآن، على ما ورد في الأخبار، من انّه: «كان اللّه و لم يكن معه شيء ثمّ خلق الذّكر» [١] أي: أوّل ما خلق اللّه تعالى الكلام.
و اعلم أنّا انّما نكلّم في حدوث القرآن هؤلاء الحنابلة، فنبيّن لهم أنه ليس بقديم و إن كان نزاعهم في ذلك عنادا فامّا الصفاتيّة فانّا لا نكلّمهم في قدم كلامه تعالى، و ذلك لأنّهم يسلّمون حدوث الكلام الذي وصفناه، و إنّما يدّعون أنّه تبارك و تعالى متكلّم بكلام قائم بذاته ليس هو من جنس الأصوات و الحروف. و لو ثبت له ذلك، فانّا لا ننازعهم في قدمه، لأنه لا احد من الأمّة يثبت ذلك المعنى و يذهب إلى أنّه محدث، بل كلّ من أثبته أثبته قديما و إنّما نكلّمهم في إثباته، و نبيّن لهم أنّه غير معلوم، لا ضرورة و لا استدلالا.
و قد تمسّك مثبتوا قدم القرآن بوجوه:
منها: أن قالوا: إنّ اللّه تعالى أخبر عن أنّه إنّما يكون الأشياء بقوله «كن» في قوله تبارك و تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [٢] فلو كان «كن» محدثا لكان من فعله على ما تقولونه، فيكون مكونا فيجب أن يكونه ب «كن» آخر مثله. و الكلام في الثاني كالكلام في الأوّل و ذلك يؤدّي
[١] صحيح البخاري ج ٤ ص ١٢٨ كتاب بدء الخلق ح ٢.
[٢] النحل: ٤٠.