المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٧٧
أعواض عظيمة موفية عليه بكثير، و لا كان عبثا بأن يكون فيه غرض المثل، و هو كونه مصلحة لبعض المكلّفين و لم يكن مفسدة لأحد من المكلّفين، فانّه يحسن و لا يقبح.
فأمّا ما ذكره ثانيا، فالجواب عنه أن نقول: هب أنّه يمكن التوصّل إلى معرفة هذه المصالح من غير جهة الأنبياء، و لكن لا يجب أن تكون البعثة قبيحة بسبب ذلك، لأنّ قيام بعض الأفعال مقام البعض لا يوجب قبح ذلك البعض ألا ترى أنّ أحدنا لو ألجئ إلى الهرب من سبع أو عدوّ قاهر و اعترضه طريقان متساويان في غرضه، فانّه لا يقبح منه سلوك أحدهما لقيام سلوك الآخر مقامه.
ثمّ إنّا نبيّن أنّه لا يمكن التوصّل إلى معرفة هذه المصالح إلّا من جهة الأنبياء عليهم السلام بأن نقول: لا يمكننا معرفتها ضرورة، من حيث أنّا كلّفنا أداء هذه العبادات الشرعيّة التي هي مصالح لنا على وجه القربة إلى اللّه تعالى و العبادة له. فلو عرفناها ضرورة لكنّا عارفين باللّه تعالى ضرورة، و التكليف يمنع منها، و لا شيء من أدلّة العقل يدلّ على هذه المصالح و إنّها تدعونا إلى الطاعات و تصرفنا عن المعاصي، فعلمنا بهذا أنّه لا يمكننا التوصّل إلى معرفة هذه المصالح إلّا من جهة الأنبياء.
و أمّا ما ذكره ثالثا فالجواب عنه أن نقول: استحقاق العقاب و دوامه و دوام الثواب ممّا لا يمكن أن يعرف عقلا، و ليس هذا موضع استقصاء ذلك و استيفائه، و سنذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ لو سلّمنا ذلك على ما ذهب إليه المعتزلة، لكان لنا أن نقول: إنّ ذلك لا يوجب قبح البعثة لذلك، لأنّ قيام بعض الأفعال مقام البعض لا يوجب قبح ذلك البعض على ما سبق. و هذا هو الجواب عن قولهم: «يمكن التوصّل إلى معرفة هذه المسائل التي ذكرتموها بالعقل»، و لو لم نراع هذا الأصل للزم قبح ترادف الأدلّة.