المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤١٤
قلنا: لا ننكر ذلك، و لكنّه لا يخرج من أن يكون تأكيدا لتكذيب ذلك الكاذب، و لا تنافي بين الأمرين، فيجب تجويز ما روي في هذا الباب بما ذكرناه و لم يجب ردّه.
فإن قيل: ما تقولون في مدّعي النبوّة إذا قال آية صدقي و دلالته أنّ اللّه تعالى ينطق هذا الشجر أو هذا الحجر أو هذا المدر، فنطق ذلك الشجر أو الحجر أو المدر بتكذيبه بل كان نطقه أنّ هذا المدّعي كاذب فيما ادّعاه أ فيكون هذا معجزا على العكس دالا على كذبه أو لا يكون كذلك؟
قلنا: الجواب عن هذا السؤال يستدعي تفصيلا، و هو أن يقال: إن كان المدّعي ادّعى أنّ المشار إليه من الشجر أو الحجر أو المدر ينطق بتصديقي فنطق بتكذيبه، فلا شكّ في كونه على العكس و دلالته على كذبه و إن لم يدّع أنّه ينطق بتصديقه و إنّما ادّعى أنّه ينطق على الجملة من غير تقييد النطق بالتصديق ننظر، فان جعل اللّه ذلك الجسم حيّا قادرا عاقلا كاملا مختارا فنطق من قبل نفسه، و باختياره بتكذيبه فقد قيل إنّ هذا لا يكون من قبيل المعجز على العكس بل يكون مطابقا لدعواه دالا على صدقه، لأنّه قال: و ادّعى نطق ذلك الجسم من غير وصف للنطق، و قد حصل النطق فتحققت المطابقة.
فأمّا التكذيب الذي تضمّنه النطق فهو من قبل ذلك الحيّ القادر المختار، فيكون هو واحدا من المكذّبين الذين ليس لتكذيبهم اعتبار و إن لم يخلق اللّه تعالى في ذلك الجسم الحياة و القدرة و لم يجعله قادرا مختارا، بل قدر النطق فيه، فانّه يكون تقدير أمر لا يفعله تعالى، و لا يجوز أن يفعله، لأنّه يكون قد صدّقه و كذّبه معا في دعواه تلك، و ذلك سفه قبيح لا يليق بالحكمة و بيان أنّ هذا يكون تصديقا و تكذيبا سفه قبيح لا يليق بالحكمة. و بيان أنّ هذا يكون تصديقا و تكذيبا معا أنّه من حيث أنّ المدّعي ادّعى النطق من غير تقييد بتصديق و قد خلق اللّه فيه النطق يكون خارق عادة ظهر على المدّعي من قبله تعالى مطابقا لدعواه،