المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٨٤
و ما لا يجوز و عرف عند ذلك أنّه تعالى أراد بالمتشابه ما يوافق المحكم.
و منها: أنّ في الفكر في استخراج معاني الآي المتشابهة رياضة للأذهان و تخريجا للخواطر و تعريضا لزيادة الدرجات، فهذه فوائد ظاهرة راجعة إلى الموافق.
و أمّا الفائدة الراجعة إلى المخالف فهي أنّ العرب كانت تمنع من استماع القرآن خوفا من أن تعجب المستمع فصاحته، فتستميله إلى الإسلام، على ما حكاه تعالى عنهم بقوله: «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» [١]، فكان إنزاله محكما و متشابها يوهم مستمعه أنّه متناقض، فيطمعه في الظفر بمثله في التناقض، فيدعوه ذلك إلى إطالة الإصغاء إليه، فإذا تأمّله و أطال استماعه له علم أنّه لا تناقض فيه، و استماله و دعاه إلى الإسلام بما فيه من الفصاحة و الإخبار عن الغيوب.
و في الجملة غير لازم في الحكمة الاقتصار على الآيات المحكمات دون المتشابهات، و إن كان غرض الحكيم تعالى أن يدلّنا على الحقّ دون الباطل، و الصحيح دون الفاسد، كما لم يجب الاقتصار على الأدلّة العقليّة و رفع الشبهات التي قد ضلّ عندها الضالون، كإيلام الأطفال و خلق السباع و الموذيات و غيرها ...
فان قيل: إنّما لم يجب في العقليّات ما ذكرتموه، لأنّه يمكن الوصول إلى الحقّ معه هذه الشبهات، و من ضلّ عندها فانّما أتى من قبل نفسه في ذلك. ثمّ و غير ممتنع أن يكون في إيلام الأطفال و غيره ممّا ذكرتموه مصالح لا يطلع عليها.
و بعد فانّ في وصول المكلّف إلى الحقّ مع اعتراض الشبهات و إنعام النظر فيها تعريضا لدرجات زائدة في الثواب، و تشحيذا للخواطر، و تخريجا للأفهام.
[١] فصلت: ٢٦.