المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٣٨
إقداما و إحجاما.
و استدلّ أيضا بأنّه لو كان منقطعا، لأمكن إيصاله بأجمعه إلى المؤلم في لحظة واحدة، كأروش الجنايات في الدنيا. و مثل هذا لا يختار المولم لأجله الآلام.
فيقال له: و هذا أيضا لا يدلّ على أنّه يستحقّ دائما، و إنّما يدلّ على أنّه يستحقّ على وجه يرغب المؤلم فيه بأن يفرّقه اللّه تعالى على الأوقات فيختار له الألم يبيّن هذا أنّه لو عوّضه في مقابلة ألمه ملكا عظيما مديد المدة لجاز أن يختار الألم لأجله و إن كان منقطعا.
و استدلّ أبو هاشم على صحّة مذهبه في انقطاع العوض بأن قال: لو كان دوام العوض شرطا في حسن الألم لما حسن من دونه. و معلوم خلافه، لأنّ العقلاء يستحسنون تحمّل المشاقّ و الآلام لمنافع منقطعة، كتحمّل مشاقّ السفر لربح ينقطع نفعه. و كذا يستحسنون تحميل من يكون عندهم من أولادهم و عبيدهم المشاقّ و إلزامهم تحملها بالأسفار و تعلّم الصناعات و ممارستها لما يتضمّن من المنافع. و إن كانت جميع تلك المنافع متقاطعة و يقبضون انقطاعها.
و كذا نعلم ضرورة، من غير استشهاد بتحمّل المشاقّ في الأسفار و تعلّم الصناعات، أنّا لو تصوّرنا مثلا أن عوض ما يوصله تعالى إلينا من الآلام و الأمراض ملك عشرين ألف سنة لاستحسنّا اختيارها لأجله. فصحّ انّه يصحّ تحميل الألم و تحمله للعوض العظيم و إن كان منقطعا، و قد ذكرنا أنّ من حقّ ما يستحقّ عليه تعالى من العوض أن يكون عظيما يبلغ إلى الحدّ الذي يختار كلّ عاقل تحمّل مثل الآلام التي جعلت تلك الأعواض في مقابلتها لأجلها حتّى يحسن إيصال الآلام و الأمراض منه تعالى إلى المؤلم من دون اعتبار رضاه و ليس هذا من حكم الألم الذي يوصله الظالم إلى المظلوم لأنّه ظلم قبيح و ليس يحسن حتّى يراعي فيما يقابله من العوض بلوغه حدّا يخرجه من أن يكون ظلما قبيحا، و ليس قصد الظالم بإيلام المظلوم نفعه جمله، فهو بمنزلة الأرش في الجناية و القيمة