المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٢٨
مذاهبهم بأن يقال ما تدّعونه من المعنى القائم بنفس المتكلّم غير معلوم ضرورة، و لا يدلّ عليه دليل فوجب نهيه، و إلّا أدّى إلى فتح باب الجهالات.
إن قالوا: إليه طريق و أشاروا بذلك إلى العبارة، فالكلام عليه ما سبق.
فان تمسّكوا بما ذكرناه من قبل من قول القائل «في نفسي كلام»، و قول الشاعر: «انّ الكلام لفي الفؤاد»، فالجواب منه ما سبق.
ثمّ نقول لهم: هذا توصّل إلى إثبات المعنى بالعبارة. و ذلك باطل، لأنّ المعبّر عن أمر إمّا أن يعبّر عمّا علمه أو عن ما لم يعلمه. فإن عبّر عمّا لم يعلمه، لم تكن في عبارته حجّة، و إن عبّر عمّا يعلمه فعلمه لا يخلو من أن يكون ضروريا أو استدلاليا إن كان ضروريا فليذكره حتّى ننظر فيه، و يلزم عليه أن لا يكون مختصّا به دون غيره. و إن كان استدلاليّا، فليذكر دليله، فانّ الحجّة فيه، لا في عبارته.
و قد حكى بعضهم أنّه تعالى متكلّم لنفسه. و الردّ عليه هو أن نقول: إضافة الصفة إلى النفس فرع على إثباتها. و المتكلّم ليس له بكونه متكلّما صفة، فكيف تكون نفسيّة. و إنّما المتكلّم هو فاعل الكلام. كما أنّ المحسن هو فاعل الإحسان.
فالقول بأنّه متكلّم لنفسه يتناقض من حيث ان وصفه بأنه متكلّم يقتضي أنّه فعل كلاما و أن له كلاما، و وصفه بأنّه متكلّم لنفسه يقتضي أنّه متكلّم لا بكلام، فيتناقض القولان. كما لو قال قائل في المحسن أنّه لمحسن لنفسه أو متفضّل لنفسه أو فاعل لنفسه.
ثم يلزمهم على قولهم هذا: أن يكون تعالى متكلّما بسائر ضروب الكلام، حتّى يكون متكلّما بالكذب، و أن يكون آمرا بكلّ ما يمكن الأمر به، ناهيا عن كلّ ما يمكن النهي عنه، و كلّ ما يصحّ الأمر به يصحّ النهي عنه فيلزم أن يكون آمرا بجميع ما هوناه عنه، ناهيا عن جميع ما هو آمر به، و أن يكون مكلّما لكلّ