المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٢٧
إلى مذهبهما من العقلاء. و معلوم أنّ غيرهما من العقلاء لا يجوّزون ذلك.
أمّا الصفاتيّة فانّهم أثبتوا كلام اللّه تعالى معنى قائما به مخالفا للحرف و الصوت. و الأشعريّ منهم ذهب إلى أنّ الكلام معنى قائم بذات المتكلّم شاهدا و غائبا و قد ذكرنا أنّا لا نكلّمهم في قدم ذلك المعنى أو حدوثه، إنّما نكلّمهم في إثباته فنقول لهم: ما ادّعيتموه من المعنى القائم بذات المتكلّم، لا نعلمه ضرورة فما الطريق إلى إثباته؟
إن قالوا: أ ليس المتكلّم بالنطق و العبارة قبل شروعه في إيراد العبارات يجد أمرا يديره في خاطره و يورد عبارات مطابقة له؟ فذلك الأمر هو الذي نثبته و هو موجود في النفس.
قلنا: ما يجده المتكلّم في نفسه ممّا أشرتم إليه إنّما هو إمّا علم بكيفيّة ترتيب ما يورده من العبارات أو نظر في كيفيّة إيرادها أو عزم على إيرادها، لا يعقل وراء ذلك معنى آخر.
فإن قالوا: نستدلّ بالعبارات المطابقة لما في قلبه على المعنى الذي نثبته.
قلنا: الدلالة ينبغي أن يكون لها تعلّق بمدلولها ليكون بأن يدلّ على مدلولها أولى من أن يدلّ على غيره. و هذه العبارات ليست إلّا حوادث مرتبة على وجه الإحكام مختصّة ببعض الوجوه الجائزة عليها، ككونها أمرا و نهيا أو خبرا إلى غيرها، لا وجه لها سوى ما ذكرناه، فهي بحدوثها و صحّته تدلّ على كون فاعلها قادرا، و بإحكامها على كونه عالما، و بوقوعها على وجه دون وجه على كونه مريدا و كارها لا تدلّ على غير ما ذكرناه، لعدم العلقة بينه و بين غيره. فثبت أنّه لا طريق إلى إثبات ما ذكروه و لا هو معلوم ضرورة فوجب نفيه.
و يمكن تجويز [١] هذه الجملة على وجه يكون ابتداء استدلال على بطلان
[١] م: تحرير.