المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٩
تعالى: «فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ» [١]. أي لن يبطل و لن يضيع، و كما في قوله تعالى حكاية عن منكري البعث «إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ» [٢] أي هلكنا و تقطّعنا؛ و قد يكون بمعنى الإشارة إلى خلاف الحقّ على طريق الإبهام، لأنّه هو الحقّ، كما يقول القائل أضلّني فلان عن الطريق، و كما قال تعالى: «وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» [٣]، «وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ» [٤]؛ و قد يستعمل في الشيء الذي يقع عنده الضلال، و إن لم يكن لذلك الشيء أثر فيه و ذلك كقول إبراهيم عليه السلام، على ما حكاه اللّه تعالى عنه: «رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ» [٥] و قد يكون بمعنى الحكم بالضلال كما يقول القائل: «أضلّ فلان فلانا» أي حكم بضلاله، و كذا يقال فيمن يحكم بكفر غيره: «إنّه قد أكفر»، كما قال الكميت:
و طائفة قد أكفروني بحبّهم
و طائفة قالوا مسيء و مذنب
و قد يكون بمعنى فعل الكفر و الضلال.
إذا ثبت هذا و تقرّر فنؤول الهدى و الضلال المضافين إليه تعالى على ما يليق بالحكمة و يطابق دليل العقل فنقول: إنّ اللّه تعالى قد هدى جميع المكلّفين، بمعنى أنّه دلّهم على الحقّ و أرشدهم إليه، و إلّا لما حسن تكليفهم سلوك طريق الحقّ.
و كذلك فانّه سيهدي المطيعين في الآخرة بمعنى الإثابة.
و لا يجوز أن يكون معنى الهداية المضافة إليه تعالى خلق الإيمان في العبد، لأنّه لو كان كذلك لما استحقّ العبد على إيمانه ثوابا و مدحا و لم يحسن من اللّه تكليفه به.
[١] محمد: ٤.
[٢] السجدة: ١٠.
[٣] طه: ٨٥.
[٤] الشعراء: ٩٩.
[٥] ابراهيم: ٣٦.