المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٦٠
و البرودة و جنس الألم فلم يرد به سمع، فالواجب أن يتوقف فيه. و قد قطع الشيوخ على كونه تعالى مدركا لجميع هذه المدركات.
ثم سألوا أنفسهم فقالوا: يلزمكم أن تصفوه تعالى بأنّه ذائق لإدراكه الطعوم، شامّ لإدراكه الروائح، لامس لإدراكه الحرارة و البرودة.
و أجابوا عنه بأن قالوا: الشمّ و الذوق و اللمس ليست إدراكات، و إنّما هي طرق إلى هذه الإدراكات. فالذوق هو عبارة عن مماسّة تفعل بين الحاسّة و بين محلّ الطعم أو الذي يظنّ أنّ فيه طعما، طلبا لإدراك الطعم. و الشمّ هو مجاورة تفعل بين محلّ الرائحة أو الذي يظنّ أنّ فيه رائحة و بين الخيشوم، طلبا لإدراك الرائحة. و اللمس عبارة عن مماسّة تفعل بين محلّ الحياة و بين محلّ آخر، طلبا لإدراكه أو إدراك ما فيه من الحرارة و البرودة. فهذه طرق الإدراكات و ليست نفس الإدراك و بيان ذلك أنّه تثبت هذه الامور و ينفي الإدراك، فيقال: ذقته فلم أجد له طعما، و شممته فلم أجد له رائحة و لمسته فلم أجد له حرارة أو برودة. و ما هذا الّا كما يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، أصغيت إليه فما سمعت كلامه.
قالوا: و نحن ما أثبتنا في حقّه- تبارك و تعالى- إلّا حقائق هذه الإدراكات، دون طرقها، فلا يلزمنا وصفه بشيء من ذلك.
و يمكن الاستدلال على كونه تعالى مدركا لسائر المدركات بالإجماع بعد أن ثبت كونه رائيا للمرئيّات، سامعا للمسموعات، بالدليل الذي ذكرنا بأن يقال: إذا ثبت أنّه تعالى يرى المرئيّات و يسمع المسموعات بمعنى أنّه حاصل على وصف زائد على كونه عالما بإدراكه لهما، ثبت أنّه مدرك لجميع المدركات، لأنّ أحدا من الامّة لم يفرّق بين بعض المدركات و بين بعض في إدراكه تعالى: فمن أثبته تعالى مدركا لبعضها أثبته مدركا لجميعها، و من نفى إدراكه لبعضها نفى إدراكه لجميعها من دون فرق، و لا يعتبر بخلاف من خالف في ذلك، لشذوذه من الإجماع، و لتقدّم الإجماع على قوله و تأخّره عنه.