المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٩
استضراره به بأن يشقّ عليه فعله و تشحّ نفسه به و علمه تعالى بذلك، و هذا هو الشحّ و البخل و المضارّ مستحيلة عليه تعالى شحا كانت أو غيره، فصحّ انّه لا صارف له عن فعل ما ذكرناه. و إنّما قلنا: «إن من كان له داع إلى الفعل و لا يقابل داعيه ذلك الصارف فانّه يفعله لا محالة» من حيث انّه لو لم يقع منه و لم يفعله و الحال ما وصفناه لقدح في اقتداره عليه و كشف عن أنّه ليس بقادر عليه، إذ من حقّ القادر على الشيء وجوب وقوع ما دعاه الداعي إليه إذا لم يصرفه عنه صارف، و هذا هو الطريق إلى أنّ العباد فاعلون لتصرّفاتهم، و هذا التحرير يقتضي أنّهم يذهبون إلى وقوع المصلحة الدنياويّة منه تعالى لا محالة و أنّ وجوبها إنّما هو بهذا المعنى لا بمعنى استحقاق الذمّ بالإخلال به.
و ربّما يوردون ما يقتضي أنّها واجبة، بمعنى استحقاق الذمّ بالإخلال به.
و ذلك لأنّهم يقولون: إنّ من ملك، مثلا، ماء دجلة و وجد عطشانا يموت من العطش و علم أنّه إن أسقاه الماء و صبّ في فيه شربة منه، عاش و انتفع و لا يستضرّ هو و لا غيره به أصلا و البتة، فانّه لا بدّ من أنّ يسقيه و يصبّ في فيه الماء، و متى لم يفعل ذلك، عدّه العقلاء بخيلا شحيحا و استحقّ منهم الذمّ.
و يقولون إنّه إنّما وجب على من وصفناه ذلك من حيث انّه فعل ينتفع به الغير، و لا ضرر على فاعله و غيره فيه، فكذلك يجب عليه تعالى مثله.
و أصحاب أبي عليّ و أبي هاشم لا يسلّمون أنّ سقي الماء لمن وصفوه واجب على ما ذكروه و أنّه يستحقّ الذمّ بالإخلال به، بلى يقولون: يقبح منه أن يمنعه من الماء و يحول بينه و بينه، لكون ذلك المنع و الحيلولة عبثا، و لو منعه لاستحقّ الذمّ بذلك القبيح، لا بسبب أن أخلّ بفعل واجب عليه.
و يستدلّون على إبطال كون الأصلح الدنياويّ واجبا عليه تعالى على وجه يشمل الوجوبين جميعا و ذلك الوجه هو أنّه لو وجب عليه تعالى أن يرزق الشخص الذي ذكرناه المائة، لوجب أن يرزقه أكثر منها إلى غير نهاية، لأنّ