المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٢
ما يجده الإنسان من نفسه، و قد تعلّقوا بذلك. و أجبنا عنه و بيّنا أنّا كيف نجد كوننا عالمين بالمعدوم.
و أمّا التمسّك بكونه تعالى عالما في هذه المسألة فمما لا وجه له، لأنّه أمر غائب عنّا، و لا نعلمه على طريق التفصيل، و إنّما يعلم في الجملة أنّه تعالى عالم لذاته، و أنّه يجب أن يكون عالما بجميع ما يصحّ أن يعلم على سائر وجوهها الّتي يمكن أن يعلم عليها، و لا نعلم من عالميّته شيئا وراء هذا، و لا ندري أنّه هل يعلم المعدومات ذوات أو غير ذوات و إنّما يمكننا أن نعلم ذلك بعد أن يتبيّن لنا بطريق آخر أنّ المعدومات ذوات و أعيان، فحينئذ يمكننا أن نعلم أنّه تعالى يعلمه كذلك و ذلك لأنّ العالم إنّما يعلم المعلوم على ما هو به.
و على هذا لا يصحّ التمسّك في أنّ زيدا في الدار بأن يقال: إنّه تعالى عالم لذاته، فيعلم أنّ زيدا في الدار، و إذا علمه كذلك كان في الدار بل يجب أن يبيّن أوّلا أنّه في الدار، ثمّ عند ذلك نعلم أنّه تعالى يعلمه في الدار، كذلك في مسألتنا.
يبيّن ما ذكرناه: أنّ كون العالم عالما في تعلّقه بالمعلوم على ما هو به كالمرآة المستقيمة في إراءتها الصورة على ما هي عليه. و إذا كان كذلك لم يجز التمسّك في أنّ فيما غاب عنا صورا جميلة و نقوشا مليحة من حيث إنّ ثمّ مرآة مستقيمة، و هي تري صورا جميلة و نقوشا مليحة. بل الواجب أن نبيّن أن ثمّ تلك الصور [١] و النقوش، ثمّ نحكم بأنّ المرآة تريها و تحاكيها. كذلك في مسألتنا يجب أن نبيّن أنّ المعدومات ذوات و أعيان مفصّلة مميّزة ثمّ نوجب كونه تعالى عالما بها، فأمّا التمسّك بكونه تعالى عالما لذاته في أنّ المعدوم ذات و عين فممّا لا وجه له، و هو رجم بالغيب على ما بيّناه.
[١] م: الصورة.