المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٩
لتجويزه كونه مفسدة و تجويز وجه القبح في الفعل [١] كالقطع عليه في قبح الإقدام على الفعل.
قلنا: لو ورد له مثل هذا الخاطر، فانّه يجب على اللّه دفعه عنه ليسلم له خاطره المخوّف من ترك النظر و إهماله و يصير النظر واجبا عليه. و جملة الأمر انّه لو لم يخف من إهمال النظر و تركه لم يكن مكلّفا أصلا على ما ذكرناه.
فإن قيل: العاقل قبل أن ينظر و يحصل له بنظره العلم، لا يكون عالما بأن نظره يفضي إلى العلم فيجوز أن يفضي به إلى الجهل، فيقبح منه الإقدام عليه، لأنّ تجويز وجه القبح في الفعل كالقطع عليه من قبح الإقدام عليه.
قلنا: العاقل قد علم حسن جميع الأنظار عند اشتباه الامور و التباسها، بل قد علم وجوب البعض، و هو الذي يخاف في إهماله الضرر فيأمن بذلك من إفضاء النظر إلى جهل أو قبيح آخر، و كيف يجوّز قبح ما قد علم حسنه.
ثمّ نقول للسائل: يلزمك على هذا القول أن يحكم بقبح النظر في الامور الدنيوية أيضا الذي قد علمنا ضرورة حسنه بمثل ما ذكرته في النظر في طريق معرفة اللّه.
فإن قيل: لم قلتم إنّ العاقل لو لم يخف من ترك النظر في ابتداء تكليفه، للزم أن لا يكون مكلّفا جملة؟
قلنا: لما أشرنا إليه، و هو أنّه إذا كلّفه الحكيم لا بدّ من أن يزيح علّته بالإقدار و التمكين و اللطف أيضا، لأنّه داخل في جملة ازاحة علّة المكلّف، على ما نبيّنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
و اللطف إذا كان من فعله تعالى وجب أن يفعله، و إذا كان من مقدور العبد وجب عليه تعالى أن يكلّفه ذلك و يجري تكليفه ذلك الفعل الذي هو
[١] ج: في العقل.