المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٧
المعرفة الاستدلاليّة إلّا بالنظر، و إذا لم يكلّفه المعرفة مع كونها لطفا لحاله فيما كلّفه لم يحسن منه تبارك و تعالى [أن] يكلّفه من حيث حرمة ما هو لطف في تكليفه و هو ممكن الحصول: فلا يكون مكلّفا على قلناه.
فإن قيل: ما تقولون فيما لو عارض خاطره المخوّف له من ترك النظر خاطر آخر يخوّفه من فعل النظر، كأن يقول له: «لا تأمن من انّك إن نظرت أتبعت نفسك و تحمّلت المشقّة، و ربما لا تحصل من نظرك على معرفة، فاختر الدعة و الراحة لنفسك»، أو يقول له: «لا تأمن من أنّك لو نظرت أو عرفت أنّ لك صانعا و أخذك بذلك و عاقبك عليه، كالملك في الشاهد، فانّه ربما يعاقب و يعاقب من يريد تعرّفه و تعرّف أحواله و الاطلاع على أسراره و ضمائره» أو يقول: «لا تأمن من أن يكون لك صانع سفيه فيعاقبك على نظرك و تحصيل معرفتك به من دون وجه يقتضي ذلك»، أو يقول له: «إنّك الساعة تظن ثوابا و عقابا، فيدعوك ذلك إلى أداء الواجبات و اجتناب المقبّحات، فلا تأمن من أنّك إن نظرت أفصى بك النظر إلى أن لا ثواب و لا عقاب، فتنهمك في القبائح و الامتناع من الواجبات و تستحقّ بذلك الذّم من العقلاء فيذمّوك و يؤذوك باللوم و الذمّ».
قلنا: امّا الخاطر الأوّل، فلا يصلح أن يكون معارضا لخاطره المخوف له من ترك النظر باعتبار أنّه قد عرف من طريق التجربة أن العاقل بأن يتأمل و يجتنب عن الامور عند اشتباهها، يكون أقرب إلى الصواب و انكشاف الحال له منه إذا أهمل التأمّل و البحث. كمن اعترضه في سفره طريقان، فيقول له مثلا زيد: إنّ هذا الطريق أقرب و ليس فيه خطر، و الطريق الآخر أبعد و فيه خطر من سبع أو قاطع طريق؛ و عمرو يقول له: عكس ذلك. أو كمن يريد إيداع ما له عند أحد شخصين يقول له بعض الناس: إنّ الأمين منها واحد معين دون الآخر، و يقول بعضهم: عكس ذلك. و هو أن الأمين ذلك الآخر دون الأوّل. أو كمن يريد حمل متاعه إلى بعض البلاد فيقول له زيد: إنّ ذلك المتاع