المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٨
فإن قيل: قولكم لمن ينازعكم في كون النظر مؤديا إلى العلم و يأتي بشبهة في ذلك: «إنّك مناقض في قولك هذا، لأنّه إفساد النظر بالنظر» ينقلب عليكم في تصحيحكم النظر بالنظر بأن يقال لكم: بم عرفتم صحّة النظر؟
عرفتموها ضرورة أو استدلالا، و ادّعاء الضرورة غير ممكن، للزوم أن يشترك العقلاء فيه، و لإمكان أن يقول منازعكم: «أعلم ضرورة فساده»، فلا بدّ من أن تقولوا: علمناه بنظر، و هذا هو تصحيح النظر بالنظر، فتكونون قد دخلتم فيما عبتم على خصومكم.
قلنا: أوّل ما نقول على هذا السؤال: إنّ تصحيح النظر بالنظر ليس كإفساد النظر بالنظر من حيث انّ إفساد النظر بالنظر مناقضة على ما بيّناه، إذ فيه أنّي علمت بالنظر أنّ النظر لا يثمر علما، و هذا على ما ترى مناقضة صريحة، و هذه المناقضة غير متوجّهة على تصحيح النظر بالنظر، إذ ليس فيه نفي ما أثبت و لا إثبات ما نفي، و هذا هو المناقضة.
فإن قيل: و هب أنّ هذه المناقضة لا تلزمكم، و لكن قولكم هذا يفسد من وجه آخر، و هو انّكم إذا صححتم نظرا بنظر، فبم تعلمون صحّة النظر الثاني؟
فلا بدّ من أن يقولوا: نعلمه بنظر آخر، و كذا في النظر الآخر فانّه إنّما يعلم صحّته بنظر آخر، فيتسلسل أو ينتهي إلى نظر لا تعلمون صحّته، فإذا كان آخر الأنظار لا يعلم صحّته فما انبنى عليه من الأنظار الاخر لا تعلم صحّته، لأنّ صحّته مبنيّة على صحّة النظر الأخير، فيلزمكم أن لا تعلموا صحّة شيء من الأنظار.
قلنا: قد نعنى بصحّة النظر حسنه، و قد نعنى به إفضاءه إلى العلم، أمّا صحّته بالمعنى الأوّل فنعلمها ضرورة على ما سبق في كلامنا هذا من أنّ العاقل يعلم حسن تأمّله و نظره عند اشتباه الامور و التباسها. و أمّا صحّته بالمعنى الثاني، و هو كونه مفضيا إلى العلم، فنعلمها بحصول العلم عنده و إنّما نحكم بصحّته بهذا المعنى عند حصول العلم عنده. كما أنّا إنّما نعلم كون الإدراك طريقا إلى العلم