المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٨
القول في الهدى و الضلال
فإن قيل: إذا كان من مذهبكم انّ العبد فاعل لتصرفاته طاعته و معصيته و كفره و إيمانه، فما معنى الهدى، الضلال اللذين [١] أضافهما اللّه تعالى إلى نفسه في آي من القرآن؟ مثل قوله تعالى: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً» [٢]، و قوله: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ، يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً» [٣]، إلى غيرهما من الآيات المتضمّنة لما ذكرناه أو ليس ظاهر هذه الآيات يقتضي أنّ اللّه تعالى يخلق في العبد الإيمان و الكفر؟
قلنا: الهدى قد يفيد الاثابة، كقوله تعالى: «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ» [٤]، أي يثيبهم، و كقوله: «وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ» [٥]، أي سيثيبهم. و قد يكون بمعنى الدّلالة على الحقّ، و ذلك كما في قوله تعالى: «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى» [٦]، و قد يكون بمعنى فعل الإيمان.
و كذلك الضلال قد يجيء بمعنى الهلاك و الإهلاك. و ذلك كما في قوله
[١] م: اللتين.
[٢] البقرة: ٢٦.
[٣] الأنعام: ١٢٥.
[٤] يونس: ٩.
[٥] محمد: ٤.
[٦] فصلت: ١٧.