المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٨٠
الأمراض التي يفعلها اللّه تعالى مصالح و ألطاف لنا في الطاعات، علمنا على سبيل الجملة أنّ بينهما مناسبة و إن لم نعلم تلك المناسبة على سبيل التفصيل.
و كيف نعلم المناسبة بين العقليّات و بين الشرعيّات و وجه دعوتها إليها على التفصيل، و لو علمنا ذلك لما احتجنا إلى الأنبياء صلوات اللّه عليهم اجمعين.
ثمّ و قد ذكر في المناسبة بين الشرعيّات و العقليّات وجهان على سبيل التقريب.
أحدهما: أنّ الشرعيّات تتضمّن التذلّل و التضرّع و الخشوع إلى اللّه تعالى، كما أنّ في العقليّات نوع تذلّل و تضرّع و خشوع إذا أديت لوجوبها و طلبا لمرضاة اللّه تعالى في هذا الوجه تناسب الشرعيّات و العقليّات.
و من وجه آخر، و هو أنّ في أداء هذه الشرعيّات مشقّة، كما أنّ في أداء العقليّات مشقّة.
فمن هذين الوجهين تناسبها و تدعو إليها و يجري مجرى ما يقال إنّ مجالسة الصالحين و استماع و عظهم و تذكيرهم يدعوا إلى فعل الخيرات. و كما أنّ الاكثار من الخير يدعوا إلى التمسّك به و الاستمرار عليه في المستقبل.
و أمّا ما ذكروه ثانيا، فالجواب عنه أن نقول:
فرق بين ما امتنعنا منه من اجتماع الخلق الكثير على التزيي بزيّ واحد و تناول طعام واحد اتّفاقا من غير جامع، و بين ما جوّزناه من اتّفاق الخلق الكثير في كون شرع مخصوص مصلحة لهم. و ذلك لأنّ الشرع تابع للمصلحة و المرجع بالمصلحة إلى الداعي و غير ممتنع فيما يدعو بعض الناس إلى شيء أن يدعو سائرهم إليه. الا ترى أنّ العلم بأنّ في الشيء نفعا لما دعانا إليه، كذلك دعا كلّ من علم ذلك إليه و إلى مثله.
فإن قيل: كيف يصحّ قولكم: إنّ ما يدعو بعض الناس إلى شيء يدعو سائرهم إليه؟ و إنّ اجتماعهم على كون شرع واحد مصلحة لهم جائز من حيث